تربيتنا الحديثة

مادة التربية الإسلامية من الوعظ والإفتاء إلى التكوين والبناء

image

مصطفى فاتيحي

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي مادة التربية الإسلامية

    لا يفهم من العنوان الحط من شأن الوعظ، ولا الاستخفاف بالإفتاء ولكن لكل مقام مقال، والسياق يقتضي أحيانا أمرا دون آخر، فالمفتي موقع عن الله كما قال ابن القيم رحمه الله، والوعظ مهمة جليلة ومسؤولية جسيمة، إلا أن التعامل مع المتعلم خاصة في هذا الجيل جيل العولمة بهلامها وهيلمانها جيل – الفايسبوك والتويتر- يحتاج مهارات متنوعة وأساليب عرض غير تقليدية سمتها الإبداع الخلاق والتفكير الدؤوب والتجديد المستمر، طرق يجمع فيها المربي بين حرص التاجر، ويقظة الحارس، وحنان الأم، وتخطيط الخبير، وأمل الفلاح وحذر المسؤول …

    والذي يمكن الوقوف عليه في الممارسة الصفية هي بعض مظاهر تسطيح الخطاب الأخلاقي وفصله عن الجانب المهاري والمعرفي، وهناك ريبة وتوجس من الاشتغال بالوضعية المشكلة، والإبداع في طرق التقويم واستعمال اليات التكنولوجيا الحديثة…

    وإن المهمة الموكلة إلى مادة التربية الإسلامية وهي ترسيخ القيم – وإن كانت هذه مهمة جميع المواد- يقتضي من جميع العاملين في هذا الحقل التحلي بأقصى درجات المسؤولية وتجاوز الأشكال الرتيبة والطرق المكررة والمملة. ولقد أحسن الدكتور عبد السلام الأحمر حفظه الله في كتابه القيم ”المسؤولية أساس التربية الإسلامية محاولة في التأصيل” بيان مركزية قيمية المسؤولية باعتبارها أساسا تقوم عليه ”جميع الأخلاق والخصائص وتمتاح منه كل الطباع والمواقف البشرية”.

    يحسن بنا قبل الخوض في تمفصلات الموضوع التذكير بداية بمفهوم التربية في التصور الإسلامي، ذلك أن أغلب تضاربات أفهامنا تعود إلى سوء تحديد المفاهيم فلا يحرر محل النزاع فتتفرق بنا السبل في اتجاهات شتى دون القدرة على تلمس مواطن الاتفاق والانسجام. الإسلامي:

      ”التربية هي تعهد الفرد المسلم، بالتكوين المنتظم، بما يرقيه، في مراتب التدين، تصورا وممارسة”.1

    فالتربية بهذا المعنى عملية شمولية، نظرا لشمولية أهدافها المرتبطة بالتدين الإسلامي الشامل.2

    وطريقة الإسلام في التربية هي معالجة الكائن البشري كله معالجة شاملة لا تترك منه شيئًا ولا تغفل عن شيء. جسمه وعقله وروحه، حياته المادية والمعنوية وكل نشاطه على الأرض.

    إنه يأخذ الكائن البشري كله، ويأخذه على ما هو عليه، بفطرته التي خلقه الله عليها، لا يغفل شيئًا من هذه الفطرة، ولا يفرض عليها شيئًا ليس في تركيبها الأصيل.

    ويتناول هذه الفطرة في دقة بالغة فيعالج كل وتر منها، وكل نغمة تصدر عن هذا الوتر، فيضبطها بضبطها الصحيح.

    وفي الوقت ذاته يعالج الأوتار مجتمعة. لا يعالج كلًا منها على حدة فتصبح النغمات نشازًا لا تناسق فيها. ولا يعالج بعضها ويهمل البعض الآخر، فتصبح النغمة ناقصة غير معبرة عن اللحن الجميل المتكامل، الذي يصل في جماله الأخاذ إلى درجة الإبداع.

    وحين يستعرض الإنسان وسائل الإسلام في التربية، يعجب للدقة العجيبة التي يتناول بها الكائن البشري. الدقة التي تتناول كل جزئية على حدة كأنها متفرغة لها، ليس في حسابها سواها، ثم الشمول، الشمول الذي يتناول الجزئيات جميعًا، وفي وقت واحد.

    إنها دقة معجزة لا تصدر إلا عن الخالق المدبر العظيم.

{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} سورة الروم الآية 30.” 3

    وهنا ينبري سؤال هام: هل يمكن تحقيق هذا المفهوم الشامل للتربية في التصور الإسلامي انطلاقا من أدوات تقليدية، وطرق جامدة تعتمد التلقين والتعبئة والشحن، وتركز على الكم المعلوماتي والاستناد إلى الذاكرة والاسترجاع؟لة:

    لبيان عمق الأزمة في هذا الصدد أرى أفضلية الاستدلال بنصوص مهمة للدكتور خالد الصمدي تلخص بدقة ما يختلج في النفس: ”من مظاهر أزمة الخطاب التعليمي في مادة التربية الإسلامية عدم قدرة مكوني المادة على تجديد لغة الخطاب التعليمي الموجه إلى التلاميذ في المادة، ذلك أن أغلب المكونين تخرجوا من معاهد التكوين الشرعي والدراسات الإسلامية بحمولة هامة جدا من المفاهيم والمصطلحات العلمية الشرعية، ولغة متينة فقهية وأصولية إلى حد التمكن، إلا أن العملية التعليمية تحتاج إلى إعادة تكييف الخطاب العلمي ليتحول إلى خطاب تربوي تعليمي لا يستعمل بالضرورة لغة الفقيه، بل يقدم المادة الفقهية بلغة المتعلمين ومخاطبتهم على قدر عقولهم وبحسب حاجاتهم، وهو ما يعجز عنه العديد من مكوني مادة التربية الإسلامية، مما يجعل الحاجة ماسة إلى تدريبهم وتكوينهم على استعمال اللغة التربوية المناسبة.”4

    وبالإضافة إلى ذلك نجد أن «عصرنا يعرف طرح قضايا جديدة مرتبطة بحقوق الإنسان والبيئة والتواصل والإعلام، ويعرف تحولات على مستوى نظام الأسرة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ويعرف احتكاكا غير مسبوق بالثقافات الأخرى بحمولتها القيمية والمفاهيمية، مما يطرح على المعلمين والمتعلمين على حد سواء أسئلة كبرى لم تكن متداولة بحدة من قبل كما هي عليه الآن، وهذا يتطلب إنتاج خطاب متجدد يستنطق مصادر الوحي في ضوء حاجة الواقع لتكشف عن مخزونها الذي لا ينضب، ثم ينقل كل ذلك إلى المتعلم بلغة عصره حتى يستجيب لحاجياته ويجيب عن أسئلته5.

    إن غياب المران الكافي والدربة اللازمة لتحويل المعرفة العالمة إلى إجراءات تعليمية وقضايا واقعية ينعكس سلبا على تمثل المعرفة الشرعية، وكذا على تعميق الفهم بمنظومة القيم، فيرتبط في ذهن المتعلم التلازم بين المعارف الدينية والنمطية والتقليد والجمود وتضخم الممارسة اللفظية على حساب المهارات الأخرى.

    لن يعدم مدرس مادة التربية الإسلامية المرجعية التصورية والتأصيل النظري والعملي لأهمية التساؤل والممارسة النقدية، فمساحة السؤال في القران الكريم واسعة، ولا نبالغ إذا قلنا إن القرآن الكريم يروم بشكل صريح لا غبار عليه بناء عقلية قلقة بأسئلتها ولو كانت غاية في الجرأة وتقحم الصعاب، وهذه الروح التي دفعت عالما غربيا مثل الدكتور ”جفري لانج” لكي يؤلف كتابا تحت عنوان ”حتى الملائكة تسأل”6. ونفس الأمر يقال عن السنة النبوية فقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم صحابه بمنهج تكويني لا تلقيني، مكنهم من عدم التردد في طرح الأسئلة وعدم التسليم والتمييز بين مقامات التشريع ومقامات التجربة الإنسانية وبين الثوابت والمتغيرات والوسائل والغايات. فكانوا روادا وطلائع في رسم ملامح الشخصية المستقلة، الناقدة، الفاعلة والإيجابية.

    وفي ذات السياق يمكن التذكير بتنوع النظام المعرفي في القرآن الكريم بتنوع المداخل المعرفية استهدافا للبناء والإقناع المنطقي المحكم، دون ميلان لجانب على حساب آخر، وفي هذا الطرح درس منهجي غاية في الوضوح والجلاء لمن أدام الفكر وأجال النظر وتدبر واعتبر، وقد أجادت الدكتورة خديجة إيكر تصوير ذلك وتلخيصه قائلة: ”تنتظم القرآن الكريم وحدة نسقية يتطلب الكشف عنها البحث في الأبعاد القرآنية التالية:

1. البعد المعرفي: ويتضمن المبادئ العقدية التي تشكل مرجعية الإنسان المسلم في الوجود، فتحدد علاقته بالله تعالى، وبأخيه الإنسان وبالكون من حوله، كما يتضمن العبادات والمعاملات، والأخلاق والسلوك.

2. البعد اللغوي: إن القرآن الكريم عمل على صياغة مبادئه وتعاليمه الربانية صياغة لغوية عربية، وقد نص على ذلك أحد عشر مرة في القرآن الكريم.

    وانطلاقا من هذين البعدين يمكننا القول أن القرآن الكريم عربي اللسان، عالمي الثقافة انطلاقا من قوله تعالى: (بلسان عربي مبين).

3. البعد التواصلي: عمل القرآن الكريم على ابتكار أساليب تواصلية فعالة، حيث نجده ينوع هذه الأساليب بحسب المقام والسياق، مما يجعله يتجاوب مع النفس البشرية في أبعادها المختلفة والمتنوعة، فمرة يخاطب فيه العقل، ويرشده إلى إعمال الفكر والنظر، والتفكر في الخلق، واستنباط السنن الكونية، ومرة يخاطب فيه الروح بأشواقها وتطلعاتها ، وآمالها وآلامها . ومرة يرشده إلى الاستدلال المنطقي، ومرة يفتح عينيه على البديهيات. ويستعمل أسلوب الترغيب والترهيب، والقصة والمثل. مما جعل من القرآن الكريم منظومة تواصلية بالغة التأثير في المتلقي.

4. البعد الجمالي: لقد صيغ البناء المعرفي القرآني صياغة لغوية توفرت لها مقومات الجمال، وذلك بمراعاة القرآن الكريم التناسب بين أبعاده الأربعة بحيث لا يطغى بعضها على بعض، وإنما جعل بعضها يكمل الآخر، إنه البناء القرآني المتميز بالجلال والجمال”7

    ويعزو الدكتور ماجد عرسان الكيلاني سبب الحيدة عن هذا المهيع إلى أن ”الفقه الإسلامي الذي أفرزته المذاهب والمؤسسات الإسلامية لم يطبق مقياس الحلال والحرام على القيم التنظيمية والعلمية- التخطيط – طلب الحكمة- اتخاذ الأسباب- العلم- ولم يرفع التنكر لها إلى درجة المعصية وإنما حصر الحلال والحرام في السلوك الفردي والأخلاق الفردية ومعاملات الأسواق، مما أدى إلى استمرار قيم طور القبلية المتمثلة في اعتماد الفردية والاحتكام إلى الأعراف والتقاليد والخبرات الفردية العابرة والارتجال والعفوية والتلقائية وهذه وأمثالها تركت أفدح الأخطار وأثرت في مسيرة الحضارة والمجتمعات الإسلامية تأثيرات سلبية كانت أكثر ضررا من فساد الأخلاق الفردية” 8

    ولذلك نجد تضخما وتفريعات فيما يتعلق بآيات الأحكام على ضيق المساحة المخصصة لها في منظومة الوحي، لهذا نجد حضورا باهتا لقيم النفير الحضاري بتعبير محمد طلابي.

    وكثيرا ما كانت تجليات القيم في سلوكيات الناس دافعا إلى الإيمان قبل السؤال عن الأحكام والتشريعات ولكن كثيرا من الناس يخطئون الوسيلة فيركزون على التشريعات والأحكام وتفاصيلها وجزئياتها مع الغفلة عن تمثل وبيان اثارها في الوجدان والسلوك.

    وهذا الانفصال بين المعرفة والسلوك، هو الذي يدفع الداعية إلى المناقشة الصاخبة في سنة عملية من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالقبض في الصلاة مثلا، مع المبتدئين والمؤلفة قلوبهم، ويجد لمخالفة هذه السنة النبوية الشريفة أثرا بليغا في نفسه ويضخم خطورتها في ذهن المدعو وتصوره، في حين لا يلقي بالا لتطفيف في المكيال والميزان، أو رمي للقمامة في الشارع وإيذاء الجيران بذلك، والحالة أن ضرر المخالفة الثانية أضر على الإسلام والمسلمين من الأولى، وكلاهما ضرر، ومعالجة الثانية أولى من الأولى، وكلاهما يحتاج إلى علاج.”9

    الواقع أننا ندرس القيم ولا نغرس القيم، فما أوسع الفرق بين الحديث الكثير عن الصدق والحرية والاستقلالية والاختلاف… والتدريب العملي على هذه القيم ف”المربي ينبغي ألا يكتفي بالتذكير بالقيمة والتوعية بها، دون أن يرعاها ويتابع نموها وتطورها في وجدان المتعلم عن طريق القدرة على صياغة مؤشرات للتقويم، يتابع تكرر حدوثها في سلوك المتعلم حتى تقوم دليلاً على تمكن القيمة من وجدانه أو حاجتها إلى مزيد من الجهد. وفي ضوء ذلك يقرر السبل الكفيلة بدعم ما كان إيجابيًّا وعلاج ما كان سلبيًا عن طريق التجديد في طرق وأساليب ووسائل التربية”10

    لعل مما أفادتنا به الخبرة والتجربة أن الأعمال الحضارية الكبرى لا تقوم إلا عن طريق الحماسة والرغبة والمبادرة الحرة، وأن الأمم العظيمة لا تشيد صروحها الحضارية عن طريق فرض القيود، ولا عن طريق المنع والزجر والتخويف، وإنما عن طريق التحفيز والتشجيع والمكافأة والمشاركة الواسعة. وهذا يحتاج إلى روح مغايرة للروح السائدة في معظم بلادنا الإسلامية، حيث إننا نرى كثيرا من المعلمين والمربين الأخيار يضبطون إيقاع الحركة في بيوتهم وفي مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية أكثر بكثير مما ينبغي، ويستهلكون الكثير من جهودهم في هذا الشأن. وربما كانوا يفعلون ذلك لأنهم لا يتصورون بديلا لما يقومون به سوى الفوضى والتفلت، وتضييع الواجبات، والخروج على النظام والآداب العامة. وهم ينسون أنهم بذلك ينشغلون عن بناء الوعي لدى الطلاب، وتنمية روح المسؤولية الشخصية التي من غير قسط من الحرية لا تنمو ولا تترسخ، كما لا تنمو الحاسة الأخلاقية والوازع الداخلي من غير ترك فرصة للاختيار، وينسى أولئك المربون أيضا أن الحرفية الزائدة تؤدي إلى سوء الأخلاق، وتورث السأم والملل وضيق الأفق.”11

    إن غياب الخطاب النفسي العلمي التربوي الذي لابد منه لبناء نفسية الطفل قد أدى إلى خلل في تكوين البعد النفسي الوجداني لدى الطفل المسلم، مما جعله ينمو إنسانا بالغا مفتقدا لدفع البعد الوجداني الفعال اللازم لتحريك الطاقة، وبذل الجهد، وتوفير الأداء الايجابي – الإرادة- الذي يعد شرطا ضروريا لتملك القدرة على التصدي للتحديات التي تواجه الأمة والمجتمع بشكل فعال.12 الخروج من الأزمة:

أول شروط الخروج من الأزمة الوعي بها، لذا لابد من الاعتراف بوجودها فيما يتعلق بتدريس مواد الدين، ومع ذلك ومن المؤسف أن البعض يحاول الهروب إلى الأمام والاستكانة إلى المألوف والأنس بالمتاح والموجود، وهو المسلك الذي يؤدي إلى تأجيل تلك الأزمة وإعادة تدويرها.

رغم شح الكتابات في مجال طرق تدريس مادة التربية الإسلامية فإن المتوفر لحد الان لو اطلع عليه من قبل المشتغلين في حقل التدريس بوعي وبنفس تجديدي وروح نقدية وهمم عالية لأمكن الإفادة منه، والنسج على منواله- أذكر على سبيل المثال كتابات كل من:

د ماجد عرسان الكيلاني، عبد الرحمان النحلاوي، محمد قطب، فريد الأنصاري، د أحمد عبادي، د خالد الصمدي، د سعيد حليم، د عبد السلام الأحمر، د عبد الحميد أبو سليمان، د عبد الكريم بكار، د طارق السويدان، د طارق الحبيب، د عبد الرحمان حللي، د محمود سفر…

إن عدم تجديد أستاذ مادة التربية الإسلامية لأساليب اشتغاله يسهم في تكريس واقع تهميش المادة، زيادة على الغلاف الزمني الضعيف. ويعطي فرصة للمتربصين الذين لا يفوتون اي فرصة أو مناسبة للنيل منها ووصفها بأقدح النعوت.

ضرورة توحيد الجهود والاشتغال بالمنطق التشاركي- مستوى تبادل الاعتماد مع الغير باصطلاح د ماجد عرسان الكيلاني في كتابه التربية والتجديد- من أجل التفكير الجاد عن البدائل والبحث عن سبل توحيد الخطاب التربوي وتبادل التجارب والخبرات وعدم الركون إلى التنديد والشجب ولعن الظلام فذلك سبيل العاجزين المضخمين للخطاب التبريري الممجوج.

ضرورة الإبداع في بناء وضعيات دالة من أجل تجسير الهوة بين مادة التربية الإسلامية والواقع حتى يتحقق البعد الوظيفي للمعرفة، والابتعاد ما أمكن عن الحشو والاشتغال بصيغة -عب وصب، ناعورة عرجاء تعب في البحر وتصب فيه- ومند القدم انتقد ابن خلدون هذا المسعى قائلا:”…فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة”13

    من هنا تبدو الحاجة ماسة للعمل بالنفس الاستشكالي الذي يذكي ويقدح زناد الحس النقدي، وقد جعل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من ضمن أسباب فساد التعليم غياب الممارسة النقدية المُمَكنة من التجديد والابداع، يقول رحمه الله في السبب الخامس من أسباب فساد التعليم – سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح في المرتبة العالية وما يقرب منها، وهذا خلل بالمقصد من التعليم وهو إيصال العقول إلى درجة الابتكار، ومعنى الابتكار أن يصير الفكر متهيئا لأن يبتكر المسائل ويوسع المعلومات كما ابتكرها الذين من قبله، فيقدم العلم وأساليبه، ولا يكون ذلك إلا بإحداث قوة حاكمة في الفكر تميز الصحيح من العليل مما يلقى إليه”14

    وذكر رحمه الله في السبب السادس: الغفلة عن إعطاء كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها مما له أثر في تقويم الفكر، وذلك بالاعتناء بما يجعل ذهن التلميذ مراعيا لما تجب مراعاته من القواعد ليتمكن وهو ناشئ في التعليم من العمل بما علمه”15

    وذكر كذلك في السبب السابع إهمال التمرين والعمل بالمعلومات كما هو الغاية من كل علم، ولهذا نرى بالجامع بتونس، وفي كثير من بلاد الإسلام علوما تدرس وكتبا تختم، ولا ترى فيمن نحادث أو نجالس فصيح لسان أو بليغ بيان”16ي

ـ الأمر الأول: يندرج ضمن الإمكانيات المتاحة للمدرس من أجل أن يبصم في ميدان عمله، فإن المدرس الجيد حتى وإن كان البرنامج سيئا يستطيع أن يضفي عليه من البهاء والرونق ما يجعله جيدا بأسلوبه وإبداعه وتجديده وعدم إظهار التبرم والإكثار من الشكوى. ويمكن من خلال نسج علاقات الثقة مع التلاميذ والطلاب أن يغرس فيهم معاني الجدية والطموح ويدفعهم دفعا إلى الإقبال النهم على المعارف والترقي القيمي، من خلال قدرته على الأمثلة والنمذجة، وهو ما ذكره د. محمد حامد الأحمري في كتابه القيم مذكرات قارئ، فقد نقل نصا عن عبد الفتاح أبو غدة يقول: وكذلك طالب العلم قد يعيش منعزلا خاملا منطويا على نفسه، فإذا حظي بشيخ عليم قداح للهمم، مُفتح للمقُول، نابه منبه، انقدح زناد علمه، ولمع نور عقله وفطنته، وبرزت مواهبه المكنونة ومزاياه الثمينة الدفينة، فإذا هو إمام في علمه، ورجل أمة في رجاحة عقله، وسداد نظره، واستنارة ذهنه، وقديما قالوا: كم في الزوايا من خبايا.”17

ـ الأمر الثاني: أحيانا يتساءل المرء أين كان صاغة البرامج التعليمية وهم يؤلفون الكتب، أين هم من مؤلفات محمد الحجوي وتصوراته التربوية، وابن خلدون ومواقفه الاستشرافية، ومحمد الطاهر بن عاشور وطموحاته المقاصدية، وغيرهم من الرواد الذي أثروا المكتبة الإسلامية بفكرهم اللماح، ونظرهم الحاد، وبصيرتهم النافذة. فرحمة الله عليهم جميعا ونسأل المولى عز وجل أن يبرم لأمتنا إبرام رشد يتحمل فيه المدرسون المسؤولية التي أنيطت بهم.

 والله أعلم.

الهوامش

1- (التربية) في التداول الاصطلاحي الدعوي
2- التوحيد والوساطة في التربية الدعوية فريد الأنصاري ص 36
3- منهج التربية الإسلامية محمد قطب
4- ليل تكوين المكونين خالد الصمدي ص 16
5- أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي د. خالد الصمدي، ص 50
6- إشارة إلى قول الله تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30].
7- لسانيات الخطاب القرآني: مظاهر الاتساق والانسجام الأستاذة الدكتورة خديجة إيكر موقع الرابطة للعلماء بالمغرب
8- مناهج التربية الإسلامية ماجد عرسان الكيلاني ص 274- 275
9 – خطاب التربية الإسلامية في عالم متغير د خالد الصمدي ص 13
10 – د خالد الصمدي جلة حراء
11 – تربية الأجيال د عبد الكريم بكار ص 22-23
12 – أزمة الإرادة والوجدان عبد الحميد أبو سليمان ص 18 نقلا عن بحث البناء الوجداني والنفسي للطفل البعد الغائب للتربية في العالم العربي د صلاح عبد
السميع عبد الرزاق.
13 – مقدمة ابن خلدون
14 – أليس الصبح بقريب محمد الطاهر بن عاشور ص 109
15 – نفس المرع ص 111
16 – نفسه ص 112
17 – مذكرات قارئ د محمد حامد الأحمري

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons