قراءة في كتاب

دليل تأليف الكتاب المدرسي في مجال التربية الإسلامية

faouzi

 عرض: د. يوسف فاوزي

باحث في العلوم الشرعية وأستاذ مادة التربية الإسلامية التعليم الثانوي التأهيلي نيابة الجديدة

dalilيعتبر التأليف بابا من أعوص أبواب العلم، إذ فيه تقرير للمسائل والأفكار، ورسم لمعالم الفكر والطريق، فكان المؤلف على قدر كبير من المسؤولية، لأن كتابه سيظل مرجعا ينهل منه الناس ببراءتهم الفكرية، ويعتمدونه في موضوعه الموضوع له، ولقد كان الأوائل يهتمون بجانب التأليف والتصنيف لإدراكهم خطورة هذا الشأن، ومما يؤثر في هذا الباب قول الحاكم النيسابوري (ت405): “شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف”. (الذهبي: تذكرة الحفاظ، 3/1044)، هذا عن حال السلف، فما بال حال الخلف اليو !!!.

ومما يؤسف له أن الساحة الثقافية اليوم تعرف غثا وسمينا في التصنيف، وزاد من الطين بلة أن اتخذ كثير من الكتاب التأليف حرفة تجارية مجردة عن الضوابط المنهجية الرصينة التي تجعل البحث ذا قيمة لقارئه، هذا عن التأليف من حيث العموم، أما أعقد أنواع التأليف فهو التأليف المدرسي، الذي يضع الكتاب مرجعا دراسيا لأبناء الناس، فهو وثيقة يعتمدها المدرس لتخريج جيل بكامله في مادة من المواد، كما أنه المصدر في الحصيلة العلمية والقيمية للتلميذ، وعليه كانت الثمرة المرجوة من هذه المقررات موقوفة على حسن صياغتها وسبكها من لدن مؤلفيها.

بيد أن هذه التآليف في كثير من الأحيان تكون ضحية العجلة، فضلا عن عدم وجود منهجية مبينة على آليات أفرزتها التجربة الميدانية والحصيلة العلمية والمهنية، فكانت الحاجة ماسة إلى وضع دليل مرجعي في هذا الباب، ليكون عونا لمن رام التأليف في المقررات المدرسية.

image4-3

ولقد انبرى لهذه المهمة فضيلة الأستاذ عبد السلام الأحمر أحد مؤسسي الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بالمغرب، وعضو مكتبها الوطني حاليا وسابقا أستاذ الرياضيات ثم التربية الإسلامية ومؤطرا تربويا لها، حيث شارك في التأليف المدرسي منذ .1994 وقد كلفته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو التي يعمل خبيرا خارجيا لها بإعداد (دليل تأليف الكتاب المدرسي في مجال التربية الإسلامية)، الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1436ه/2014م.

قدم للكتاب معالي الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام لمنظمة الإيسيسكو بمقدمة أبان فيها قيمة المقرر الدراسي في المنظومة التعليمية، غير أنه يسجل على كثير من هذه المقررات العديد من الاختلالات بسبب غياب إطار مرجعي يرشد فرق التأليف إلى منهجية مثلى في وضع الكتاب المدرسي، ومن هنا جاء كتاب الأستاذ عبد السلام الأحمر لينير الدرب في هذا الطريق، لما تجمع للرجل من تجربة علمية ومهنية وأكاديمية، فكان كتابه عصارة تجربة يضعها بين الباحثين المهتمين بهذا المجال.

ولقد تناول المؤلف كتابه في خمسة فصول وخاتمة.

أما الفصل الأول، فقد عنونه المؤلف بـ”مقدمات الدليل التمهيدية”، تطرق فيه فضيلته إلى بيان أهداف هذا الدليل، الذي يأتي بالدرجة الأولى لوضع تصور شامل لمنهجية تأليف الكتاب المدرسي في مجال التربية الإسلامية، مع حفظ خصوصيات مادة التربية الإسلامية، والتنبيه إلى أنه لا يمثل منهجية نهائية قابلة للتطبيق، بل يدعو إلى إثارة التفكير الجاد وتحفيز البحث العلمي الرصين طلبا للجودة المنشودة، فهذا الدليل يسعى لوضع كتاب مدرسي للمادة مبني على النظرية الإسلامية، كما يسعى إلى مساعدة المؤلفين على تغيير الأساليب المتبعة من قبل، وإثارة التفكير العميق والإسهام في النقاش التربوي العلمي في هذا الباب.

ولم يغفل المؤلف في هذا الفصل التعريف بالجهات المستهدفة بهذا الدليل، فهم المسئولون بوزارة التربية الوطنية عن مادة التربية الإسلامية، وفرق ولجان التأليف من أساتذة المادة ومفتشيها وأهل الاختصاص في البحث التربوي.

كما رسم المؤلف في هذا الفصل أهم النتائج المتوقع التوصل إليها من وراء هذا الدليل، فهو يسعى إلى وضع مسار منهجي في التأليف المدرسي يحد من حالات الارتجال والسطحية في التأليف، كما يسهم في تحقيق جودة عالية في تربية النشء وتنشيط البحث والإبداع في ميدان التأليف، كما لم يغفل المؤلف التنبيه إلى مسألة أهمية الكتاب المدرسي في تطوير التربية والتعليم.

ويأتي هذا الدليل لتقويم الاختلالات الحاصلة في كتاب مادة التربية الإسلامية، التي من بينها: غياب الرؤية الحضارية الواضحة، وعدم التمييز بين المضمون المعرفي والمضمون التربوي والاهتمام بالتحصيل الدراسي على حساب التوظيف السلوكي، وغياب بيداغوجية إشراك المتعلم في بناء التعلمات.

أما الملامح العامة لمنهجية إعداد الدليل، فتشمل مثلا تصدير المحاور والفقرات بإشكاليات وأسئلة مدخلية تشويقية للمتعلم، مع توظيف الجداول والخطاطات وغيرها من الوثائق التربوية، والانفتاح على نظريات التربية الحديثة في التأليف المدرسي، ثم ختم المؤلف فصله الأول بالتعريف بالمصطلحات التربوية الأساسية الواردة في الدليل.

وأما الفصل الثاني، فقد خصصه المؤلف للحديث عن “المحددات التصورية لبناء الكتاب المدرسي”، التي جمعها في أربعة محددات:

  • استحضار فلسفة المجتمع التربوية: وإلى أي حد يمكن استصحابها في قطاع التربية.
  • تحديد الأساس النظري للتربية الإسلامية: هل مادة التربية الإسلامية مجرد مادة لتعليم النشء؟ أم هي أعم من ذلك؟، وهو سؤال لتحديد الأساس النظري لهذه المادة، الذي خلص المؤلف إلى أن المقصود منها تحقيق وظيفة استخلاف الإنسان في الأرض وفق المرجعية الإسلامية، ثم بين المؤلف أمثلة تطبيقية لتوظيف مبدأ الاستخلاف في المقرر المدرسي.
  • رصد الاختلالات التربوية العامة الحاصلة في المجتمع: فرصد الخلل يأتي قبل الإصلاح، التصفية قبل التربية، وجعل المادة الدراسية أداة ناجعة في هذه التربية.
  • تقويم المردودية التربوية الراهنة للمادة: وذلك بوضع استمارات تقويمية نموذجية توزع على أطر التربية والتعليم، قصد معرفة مدى صلاحية المقرر المدرسي الراهن، وذلك بجمع الانتقادات والملاحظات والآراء البناءة الهادفة لتجويد العمل.

   وأما الفصل الثالث: فهو الفصل الذي حدده المؤلف للحديث عن “مداخل بناء المنهاج التربوي”، التي حصرها في ثلاثة مداخل:

  • مدخل الأهداف: وهو عبارة عن تحديد للأهداف المرجوة من هذه المادة انطلاقا من المقرر.
  • مدخل القيم: إذ أهم أهداف الكتاب المدرسي غرس القيم في أفئدة النشء، بعد تحديد مفهومها ومنظومتها، واقتراح الطرق الفعالة لتعلم القيم والتربية عليها.
  • مدخل الكفايات: فإلى أي مدى يمكن اعتماد الكفايات في الدرس الإسلامي وفي مقرره بشكل أدق، فقام المؤلف بتعريف الكفايات وبيان أنواعها وخصائصها ومميزاتها، وعلاقتها بالقدرة والمهارة، وتقديم مقترحات لاستثمارها في الدرس الإسلامي.

وأما الفصل الرابع: فجاء للحديث عن “الاعتبارات الضرورية لبناء الكتاب المدرسي”، التي حددها المؤلف في ثلاثة اعتبارات:

    رصد آليات تعميق البعد التربوي في الكتاب المدرسي: فليس المقصود في بناء المقررات هو المادة المعرفية في ذاتها، وإنما يجب بلورتها إلى سلوك عملي تربوي، مثال التوحيد الذي يلزم بيانه معرفيا، ثم ممارسته تربويا، أي كيف نحقق توحيد الله؟.

    اعتماد منهجية في تنشيط الفعل التعلمي: تفاديا للركود والملل الذي قد تسببه بعض المقررات الدراسية، يقترح الدليل وضع إجراءات تحفيزية للمتعلم كحسن التمهيد، والتشجيع على الأنشطة التعلمية، وإشراكه في الإبداع والبحث، مع اعتماد أسلوب المتكلم بدل أسلوب الأمر مع المتعلم لتحسيسه بكونه المعني بالدرس، والتوسع في استعمال الجداول والوثائق والرسومات والصور المعبرة في تقديم المضامين ضمانا لاستيعاب المادة المعرفية والتربوية.

    تحديد حاجات النشء التربوية الراهنة، والتوقعات المستقبلية: فيجب أثناء عملية وضع الكتاب المدرسي استحضار حاجات النشء الراهنة التي ينتظر أن تشبعها التربية الإسلامية، ويقترح الدليل استثمار تقويمات الكتب المدرسية المعتمدة في المادة، مع الاستفادة من محتويات تقارير المفتشين والتربويين والإدارة التربوية لكونها المؤشرات الدالة على حاجات التلاميذ التي يدور عليها نجاحهم، أو فشلهم.

وأما الفصل الخامس والأخير: فقد خصصه المؤلف للحديث عن الخطوات الإجرائية النهائية لإنجاز الكتاب المدرسي، وهي عبارة عن أربع خطوات:

    صياغة التوجهات الكبرى للتأليف، ثم اختزالها في توجه عام: إذ جرت العادة أن تضع الوزارة المعنية بالتربية والتأليف إطارا مرجعيا يحدد معالم المقرر المدرسي، وفي حال غياب هذا الإطار فيجب على لجنة التأليف أن تضع لنفسها إطارا مرجعيا يتضمن الفلسفة العامة للدولة، الرؤية التربوية لمنظومة التربية والتعليم، الأساس النظري لمادة التربية الإسلامية، كما يقترح الدليل تخصيص كتاب خاص بالتلميذ وآخر للأستاذ قصد إفساح المجال أكثر أمام المتعلم في العملية التعليمية التعلمية، بالإضافة إلى تحديد المدخل المناسب لبناء مقرر المادة، مع مراعاة الإمكانات البشرية واللوجيستيكية المتوفرة ضمانا لسلامة الإنجاز.

    إعداد شبكة القيم والكفايات والغايات والأهداف العامة والنوعية: بعد الخطوة الأولى، تأتي هذه الخطوة التي تحدد شبكة القيم من لدن لجنة التأليف، وهنا ينبه المؤلف إلى ضرورة تزويد اللجنة بهذه الشبكة إذا كان أعضاء اللجنة من غير المختصين ربحا للوقت، مع ضرورة انتباه اللجنة إلى حسن توظيف الأساس النظري للتربية الإسلامية، ضمانا لتحقيق غايات التربية الإسلامية لدى النشء فكرا وقيما وسلوكا.

    صياغة عناصر بناء الدرس، وطريقة التعامل معها: وهي العناصر الأساسية لبناء الدرس في المقرر الدراسي، كدائرة الانطلاق (التقديم، التمهيد، الوضعية المشكلة…)، ودائرة التعرف (المعارف والمضامين والمفاهيم…) ويشترط أن تكون واضحة وصحيحة وأساسية، ودائرة التعلم (الانتقال من السهل إلى الصعب) وتأتي هذه الدائرة لسد نقص ربما حصل للمتعلم في دائرة التعرف، فيستدرك النقص بالأنشطة، ودائرة التطبيق، وهي امتداد لدائرة الأنشطة التي يتكلف بها التلميذ مستثمرا فيها حصيلته المعرفية في الدرس، فتكون على شكل عروض، ندوات، مناظرات، مطويات، مسرحيات، مع اقتراح لجنة الـتأليف صورا أخرى لهذا النشاط، وآخر الدوائر دائرة التقويم، وفيها تقاس درجات تحقق المكتسبات من معارف وقدرات وكفايات ومدى تحقق الأهداف المرجوة من الدرس، ولم يغفل المؤلف في هذه الدوائر تقديم أمثلة لها توضح المقصود.

   العمل على تجريب خطة الكتاب: بعد الفراغ من إنجاز الكتاب المدرسي، يقترح المؤلف على لجنة التأليف تجريب كتابها لمعرفة مدى صلاحيته للنشر، وهي خطوة هامة تضمن جودة العمل ونجاحه، ويقترح المؤلف ضبط ثلاثة متغيرات: متغير المنهجية (عرض المقرر أما الخبراء والمختصين وممثلي جمعيات الآباء والتلاميذ، لمدة سنة دراسية كاملة بهدف الوقوف على الاختلالات إن وجدت)، ومتغير التلاميذ (عرض المقرر أمام عشرة أقسام متفاوتة –ممتاز-متوسط-ضعيف-، مع اختيار الأقسام من فئات مختلفة –المدينة الكبيرة-قرية متحضرة-قرية نائية-، مع رصد انطباعات التلاميذ حول المشروع، ومقارنة هذه الانطباعات مع نتائج الاختبارات والتفاعلات الصفية)، ومتغير المدرسين (تسند التجربة إلى مدرسين من ذوي الكفاءة العالية والمتوسطة والضعيفة لضمان انسجام المقرر مع الواقع، واعتماد تقارير المدرسين المنجزة حوله، لتقوم لجنة التأليف بدراسة هذه التقارير كل شهر، قصد الوقوف على الاختلالات المسجلة واقتراح إجراءات سريعة لتجاوزها.

وفي نهاية الكتاب ختم المؤلف كتابه بخاتمة رصد فيها أهم النتائج المتوصل إليها في كتابه، التي تتجلى في هيمنة المنهج التطبيقي على المضمون، وتفعيل الخلفية النظرية لبناء الكتاب المدرسي، واختياره للغة الحوار بدل التقرير، والتوسع في توظيف التمثيل والنمذجة، وتوجيه العناية اللازمة للأساس النظري للتربية الإسلامية.

إن المتصفح لهذا الدليل ليقف على مادة علمية مركزة، صاغتها تجربة مهنية عالية، وحبكتها لغة تربوية تنم عن غيرة على مادة عرفت الكثير من التجني والتنقيص، فحان الأوان إلى رد الاعتبار بدءا بإعادة النظر في منهجية التأليف ضمانا لكتاب مدرسي نموذجي لمادة التربية الإسلامية، وآخر ما أختم به قراءتي لكتاب أستاذنا الفاضل عبد السلام الأحمر ما ختم به هو كتابه: والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons