تربيتنا الحديثة

مقاصد الشريعة في المفاضلة بين الذكر والأنثى في الميراث

safia

ذ.ة: صفية آيت سي همو

أستاذة مادة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي التأهيلي نيابة الجديدة باحثة بمختبر الدكتوراه، كلية الآداب، جامعة ابن طفيل، القنيطرة.

مقدمة

    ونحن ندرس أبناءنا دروس الإرث بالسلك الثانوي التأهيلي في مدرستنا المغربية، يجب ألا نغفل أمرا من الأهمية بمكان في مقدمة الشروع في إلقاء هذه الدروس، ألا وهو مقاصد الإسلام في المفاضلة بين الذكر والأنثى في الأنصبة، وهي مسألة لصيقة بمسألة المساواة بين الجنسين التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.

    وإن مما يؤسف له أن يتولى الكلام عن هذه المسألة في منظومتنا الإعلامية طرف واحد ليس له أدنى نصيب من العلم الشرعي، نعم هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، لكن على عقولهم غشاوة فرضها بريق الحضارة الغربية المادية، فرأت في أحكام الشرع تجنيا على المرأة ورجوع بها إلى سالف العصور ومدارك الرجعية والانحطاط، ناسين أو متناسين أن الإسلام أقر للمرأة حقها في الإرث بعد أن منعت منه في الجاهلية، فكانت من جملة ما يرثه الرجل بدل أن تحفظ كرامتها فترث هي الأخرى.

    وعليه أحببت التطرق لهذه المسألة مبينة مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء في أحكام الميراث، ومنح الذكر حظ الأنثيين، حتى يكون أبناؤنا على بينة من هذه المقاصد محصنين من الشبهات المثارة حولها، قادرين على استيعاب خلفيات النقاش الدائر بين أطرافها1.

    إن مسألة أنصبة الإرث راجعة للشرع الحكيم، فقسمها أحسن تقسيم، ولو وكل أمر تقسيمها لأمر البشر لحصل من الظلم والفساد ما الله به عليم، ويمكن إجمال مقاصد الشريعة في هذا الباب إلى الأمور التالية:

التفاضل راجع للتبعات المالية:

    إن السبب في تفضيل الذكر على الأنثى في الأنصبة، راجع إلى كثرة الالتزامات المالية للرجل في وسطه الاجتماعي، فالقوامة قوامته، وهو مطالب بتوفير قوت الأسرة، وتجهيز بيت لها، فضلا عن مصاريف العلاج والدراسة وتكاليف الأعياد والأسفار وغيرها، فتخصيص حظين له بدل حظ واحد للأنثى إنصاف له وسند له في أعباء الحياة، أما الأنثى فهي داخلة في كفالته، ومع ذلك فقد ضمن لها الشرع حظا، فيجب النظر إلى مسألة الإرث في الإسلام في إطار النفقات وليس في إطار الإرث فقط.

المفاضلة ليست مطردة:

     يرتكب منتقدو الشريعة في الإرث شططا عظيما عندما يعممون هذه المفاضلة ويقولون إنها عامة بين كل رجل وامرأة من الورثة في كل الحالات، والحق أنها بين الابن والبنت خاصة، والنص القرآني واضح في هذا، قال سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)2، ولم يقل: (يوصيكم الله في الورثة)، فالابن يأخذ ضعف أخته – البنت-، وليس كل الورثة رجالا ونساء تطبق عليهم القاعدة، فهناك حالات ترث فيه المرأة مع الرجل مناصفة كحالة الأم مع الأب بوجود الولد، قال سبحانه: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ ولد)3، مثاله:

– مات عن (أم، وأب، وابن) فلكل من الأم والأب السدس، والباقي للابن.

– مات عن (أم، وأب، وبنتين) فللأم السدس، وللبنتين الثلثان، وللأب السدس والتعصيب، ولا يبقى له سوى السدس، فيتساوى عملياً مع الأم.

– مات عن (زوج، وبنت، وأم، وأب) فللزوج الربع، وللبنت النصف، وللأم السدس، وللأب السدس والتعصيب، تعول المسألة، فلا يرث الأب عملياً إلا السدس.

– مات عن (أب، وجدة – أم أم- وابن) لكل من الأب والجدة السدس، والباقي للابن.

فهذه أمثلة عن حالات تظهر أن المرأة أحيانا أفضل من الرجل في الإرث، والمفاضلة كانت بين الابن والبنت فقط.

    المرأة أحيانا ترث ولا يرث الرجل، وهذه الحالات هي:

– لو ماتت عن (زوج، وأم، وأب، وبنت، وبنت ابن) فللزوج الربع، وللأم السدس، وللأب السدس والتعصيب، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والمسألة من (12):

للزوج/ (3) أسهم، وللأم/ (2)، وللأب/ (2)، وللبنت/ (6)، ولبنت الابن/ (2)،

فتعول المسألة إلى (15).

   ولو استبدلنا ابن الابن ببنت الابن، تعول المسألة إلى (13)، ولا يبقى له شيء لأنه عصبة، ولأن الفروض استغرقت التركة.

– لو ماتت عن (زوج، وشقيقة، وأخت لأب) فللزوج النصف، وللشقيقة النصف، وللأخت لأب السدس.

والمسألة من (6): للزوج/ (3) أسهم، وللشقيقة/ (3)، وللأخت لأب سهم واحد، فتعول المسألة إلى (7).

   ولو استبدلنا بالأخت لأب الأخ لأب، لا يبقى له شيء لأنه عصبة، ولأن الفروض استغرقت التركة.

   وهناك أمثلة كثيرة تظهر التفاوت الحاصل أحيانا بين الذكر والأنثى في الإرث، وكذب من يحاول أن يلصق بالشريعة تفضيل الذكر على الأنثى في كل مسائله وحالاته.

المساواة التامة في الإرث ظلم للمرأة:

    القائلون بالمساواة بين الذكر والأنثى (الابن والبنت) في الميراث يسعون بذلك إلى جعلها في درجة واحدة مع أخيها الرجل، وهو الذي يلتزم بالقوامة التي تتطلب منه العمل الجاد لتحصيل لقمة العيش، وقد يكون عمله هذا في وظائف خطيرة كالجيش أو ما شابهه، وإذا أردنا المساواة بينها (الأنثى) وبين الرجل في الإرث، فيجب أيضا المساواة بينها وبين الرجل في العمل ضمانا لمبدأ العدل في تكاليف النفقات، وهذا ظلم لها وتكليف لها بما لا يتناسب مع طبيعتها الفيزيولوجية، فالإسلام غمر المرأة بحنانه، فجعلها سيدة في بيتها وخارجه، محمية من عوادي الزمان، فكان حصول الذكر على الحظين تأهيلا له للقيام بقوامته تجاه زوجته التي سترث حظا واحدا إلى جانب مال زوجها.

السعي للاستثمار الأمثل للمال:

    وهذا مقصد مرتبط بسابقه، فالرجل الذي حصل على حظين سيصرف حقه في الميراث في تكاليف أعباء الحياة، إما شراء أو استثمارا وفي كلا الحالين يعتبر تصرفه هذا ترويجا للمال في دائرة السوق، التي لا تعرف دورانها دون ضخ المال، أما الأنثى التي ستستفيد لاحقا من كفالة زوجها وأبنائها فترويجها للمال سيكون محدودا، وعليه فدائرة السوق لن تستفيد من نصيبها الاستفادة المثلى.

    هذا ما ظهر لي في المسألة، وحري بأساتذة مادة التربية الإسلامية في السلك الثانوي التأهيلي فتح الموضوع مع التلاميذ، وبيان هذه المقاصد الربانية النبيلة في مسألة الإرث بين الذكر والأنثى، حتى يكون فلذات أكبادنا على بينة من هذه المقاصد، فيزدادوا إيمانا مع إيمانهم، والله أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

الهوامش

1 ) من باب تعميق الفائدة حول جوانب الموضوع، ينظر كتاب: “مقاصد الشريعة الإسلامية في نظام الميراث – دراسة مقاصدية فقهية قانونية-“، تأليف: جابر عبد الهادي سالم الشافعي، دار الجامعة الجديدة للطبع والنشر والتوزيع، ط.2014.
2 ) سورة النساء، الآية : 11.
3 ) سورة النساء، الآية : 11.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons