تربيتنا والواقع

ظاهرة الفتور في العلاقات الإنسانية: مظاهرها، أسبابها، سبل علاجها

hafid

د. حفيظ غياط

     خلق الله تعالى الإنسان وزوده بكثير من النعم مختلفة الأشكال ومتنوعة الوظائف ليتوسل بها إلى حاجاته، ويحقق بها مقاصده وأغراضه، كما أهله للتواصل والتعارف مع بني جنسه تحقيقا لحكمة الله من خلقه وإيجاده، قال سبحانه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير)1. فكان من مقاصد خلقه سبحانه للإنسان تحقيق التعارف لتعميق التواصل تحقيقا للأنس والتطاوع ودفعا للوحشة والتنازع.

    لكن الإنسان المعاصر يعيش اليوم حالة شرود وعزلة خطيرة تزداد حدتها تفاقماً كلما زاد بعده عن توجيهات الوحي الرباني الموافق لصفاء الفطرة التي فُطر عليها كل مخلوق، هذه التوجيهات التي رسمت الطريق الواضح لسعادة الإنسان وطمأنينته في كل زمان ومكان، حيث جعل الله تعالى هذه السعادة نصيبَ كل من حقق شرطها ودفع ثمنها فقال عز وجل: (من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)2، غير أن المتأمل في واقع الناس اليوم يلحظ بجلاء كبير حالة الاضطراب والتخبط الشديد التي صارت سمة تصبغ حركة هذا الإنسان، فأصبحت حياته سريعة لا تكاد تتوقف حتى في لحظات الراحة والاستراحة لا زال عقله يفكر ويخطط، مما نتج عنه عدة أمراض نفسية كالقلق الحاد والاكتئاب وغيرها… لقد بات الهدوء والاستقرار والبساطة والسهولة عملة نادرة في حياتنا السريعة هذه؟‼ فغابت قيم عظيمة غادرت عالمنا وحلت محلها قيم بديلة أورثتنا فتوراً في علاقاتنا الاجتماعية، وأثرت في أواصرنا وعلاقاتنا الإنسانية تأثيرا بليغا، فأصابت عواطفنا ببرود وجمود وجفاء انهارت معه أواصر المحبة والتكافل الاجتماعي، واستترت المشاعر النبيلة، وغاب الدفء العاطفي والألفة والشعور بالأمان، فتقطعت الصلة بين الأرحام أو كادت؟‼

salam    ولعل الذي يؤكد هذه الأحكام ويزكيها هو تعدد مظاهر الفتور وتنوعها وسرعة انتشارها في واقع المسلمين بصورة ملفتة صارخة، يدل عليها شعور الناس وإحساسهم بسيطرتها على حياتهم، مع مساهمتهم في الوقت ذاته في تكريسها. فمظاهر الفتور لا تكاد تبرح نوعا من أنواع العلاقات الاجتماعية الإنسانية إلا أصابته بشكل من الأشكال، بدءا بأول خلية مكونة للمجتمع، وهي حضن الأسرة مرورا بحضن العائلة، ثم علاقات الجوار إلى سائر العلاقات الأخرى، كالعمل وباقي أنواع الصداقات الإنسانية…

    وبهذه الإصابات التي تلحق كل هذه المحاضن المترابطة تكون النتيجة ضعف الأمة وتفكك أوصالها، ومن هذا الباب يتسرب إليها الوهن الشديد الذي يُطمع الأعداء فيها. ولأجل ذلك صور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الأمة المسلمة كالجسد الواحد الذي تتناسق أجزاؤه، وتتآلف أعضاؤه في الشعور والإحساس بالفرح والسرور كما في الحزن والألم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)3.

    كما أثمر هذا الفتور في العلاقات الاجتماعية ثماراً مرة الطعم تثير الأسف العميق في النفس، ومن تجلياتها انتشار دور العجزة في بلاد المسلمين انتشارا ملفتا، ما كنا نسمع به إلا في البلاد الغربية‼ هذه الفئة من المجتمع التي تواجه في أرذل العمر ألوانا من الآلام النفسية الشديدة بسبب تخلي الأولاد عنها، وحرمانها من الحنان والدفء الأسري والعائلي في وقت هي أحوج ما تكون إليه: حال الكبر والضعف والحاجة إلى عناية الأولاد، قال سبحانه:(إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )4، وكذلك التفكك الأسري، وتنامي النزعة الأنانية الفردية على حساب التآلف الاجتماعي… بل إن من أخطر نتائج هذا الوضع الاجتماعي المتفكك، نزوع الإنسان إلى الوحدة والعزلة القاتلة، التي تنتهي ـ بسبب حالة الشرود الحاد بين الأهل بعضهم عن بعض ـ إلى الانتحار بحثا عن عالم آخر يوفر السعادة المفقودة في هذا العالم المظلم5. كل هذا وغيره كثير جعل الفجوة تتسع حتى صارت علاقاتنا أشكالا بلا أرواح ولا معنى.

    ومن هنا نطرح سؤالاً ملحّاً عن أسباب وجود هذا الفتور الكبير في العلاقات الإنسانية؟

أسباب وجود الظاهرة وانتشارها:

    إن التأمل في ظاهرة الفتور في العلاقات الاجتماعية ـ من مختلف زواياها ـ يدفعنا إلى النظر في جملة من الأسباب كانت وراء انتشارها وتحكمها في حياتنا، ومنها:

1) الثورة التكنولوجية الحديثة وما حملته من قيم اجتماعية بديلة ـ مرتبطة بطبيعة المجتمعات التي نشأت فيها ـ أعلت من شأن الماديات وبوأتها مركز الصدارة ضمن أولويات الحياة، فصار الجري المحموم خلف الماديات والمظاهر الجوفاء ـ تحصيلا للرفاهية ـ سمة المجتمع المعاصر… وأصبح الإنسان يدور حول نفسه ومصالحها حتى تضخمت النزعة الفردية عنده، فلا يكاد يلتفت إلى من حوله أو يجد له وقتاً إلا لماماً، بسبب انشغال الكل عن الكل بوسائل اتصال أكثر إغراء وجذبا وإثارة للانتباه، حيث تمكنت بقوتها من وضع عقبات وقفت عائقا في وجه التواصل، وأحالت البيوت إلى فضاءات خرساء صار المتكلم فيها مشوشا ومزعجا يكسر على الخاشعين خشوعهم؟‼

    يقول الدكتور عبد الكريم بكار في سياق جوابه عن سؤال: لماذا لا نتحاور؟:”إن التقدم التقني السريع قد أقام تحالفا مع الثراء الواسع على إضعاف الروابط الأسرية، وتقليل فرص تواصل الأسر وتحاورها، وذلك لأن التقدم التقني في مجال الاتصال والبث الفضائي، قد وفر لكل فرد من أفراد الأسرة إمكانية الانعزال عن أسرته، والتواصل مع العالم الخارجي”6، فكان عدم التوظيف الرشيد لهذه الوسائل وبالاً وشراً مستطيراً على الأسر والعائلات سلب منها أحلى اللحظات وأثمن الأوقات، وأورثها غربة ووحشة، وضيع عليها فرصا لتواصلٍ فاعل ومثمر.

2) كثرة الانشغالات التي أدت إلى ضيق الأوقات: فهذا عامل مهم أيضاً أدى إلى الفتور، إذ أن كثرة مشاغل الناس جعلت أوقاتهم لا تتسع لأحد، بل يضيقون ذرعا بالزيارات وبكل فرصة من فرص التواصل والصلة، وذلك بسبب سطوة المشاغل وهمومها لا بسبب الزهد فيها أو عدم الحاجة إليها… لذلك تجده مقصراً في علاقاته الاجتماعية المختلفة، سواء كان مع الوالدين أو الأهل أو الاصدقاء أو الجيران أو كل من تربطه بهم علاقات اجتماعية… وهذا السبب هو في حقيقته ناتج عن تعقد الحياة المعاصرة وكثرة متطلباتها (فالانشغال بهموم الدنيا المتشعبة: كدراسة الأولاد ومشاكلهم، والجري وراء تحصيل المال لتحقيق الاكتفاء، بل وتوفير الفائض الذي أدى إلى التنافس في الشكليات التي أفرزها نمط الحياة المعاصرة بسبب انقلاب الموازين، وتغير مفهوم الضرورات ومراتب المصالح والأولويات، وتغييب قيم تربوية عظيمة كالقناعة والرضا…) ، حيث غابت البساطة والسهولة، وأصبح من الضروري للاستمرار أن تكون كالآلة ـ لا تتوقف لتلبية حاجيات نفسك المعنوية ـ حتى تتمكن من المسايرة والنجاح ولو على حساب القيم والمبادئ والقناعات الأصلية التي تتأثر بشدة في غمرة هذا الصراع اليومي الجارف.

3) التجارب السابقة الفاشلة مع العائلة أو الجيران أو الأصدقاء، والتي تجعل الإنسان يعتزل وينزوي ويضحي بهذه العلاقات، لأنها في نظره صارت راجحة المفاسد على المصالح، ومن تم أصبحت فرص التواصل مع الأقارب والأهل محفوفة بالآفات والخسائر وليس العكس، بسبب طغيان الشكلية والمظهرية الجوفاء على هذه العلاقات وغياب الجوهر والمعنى الذي لأجله كان الحث على صلة الرحم وتوطيد الصلات في شرع الله تعالى، فاللقاءات العائلية أصبحت تطغى عليها الضغائن والاحقاد والصراعات الناتجة عن مشاكل مالية، أو مشاكل بسبب أشياء قد تكون تافهة في كثير من الأحيان، من قبيل النزاعات الناتجة عن اللعب بين الأولاد، أو الغيرة والحسد بين زوجات الإخوة فيما بينهن، أو لخطإ غير مقصود في علاقات الجوار يساء الظن بصاحبه، حتى بيوت الله تعالى التي يأوي إليها العبد طلبا لراحة قلبه وتزكية نفسه وصفائها، لم تسلم من الجفاء وتصلب العواطف بين الوافدين على رب العالمين، فتكون النتيجة لكل ما سبق هي القطيعة والفتور…، لقد صار الفتور التواصلي ـ للأسف الشديد ـ صفة مدح عند من يمارسها، بل إنك تجد في أحيان كثيرة بعض الجيران لا يلقون السلام على بعضهم، خشية أن يكون في هذا الشكل من التحية ما يجرئ الآخرين عليهم، ناسيا أن إلقاء السلام ورده من واجبات الإسلام وآدابه العظيمة .

4) غياب التربية على ثقافة الحوار والتواصل الفعال وحسن تدبير الاختلاف، الذي يذيب عوامل الشقاق بين أفراد الأسرة الواحدة وحتى أفراد العائلة الكبيرة، لأن هذا الحوار يساهم في إتاحة الفرصة للكلام والحديث وتفهم الآخر وإفهامه وتربيته وتوجيهه والإصغاء إليه، ومن تم تتوطد أواصر المحبة وتتقوى إلى أبعد مدى، فلا يكاد المتربي في مثل هذه البيئة يفارق هذا المجتمع المتحاور المتراحم حتى يعود إليه. ولهذا يعد غياب التواصل الأسري بين الآباء والأبناء من أكبر أسباب تفكك الأسر وانهيارها ، يقول الدكتور عبد الكريم بكار: “إن حاجة أبنائنا اليوم لا تقل عن حاجة شخص نفد وقود سيارته ـ وهو في أعماق الصحراء ـ إلى سيارة تمر من جانبه وتسعفه بشيء من الوقود قبل أن يفقد الأمل في الحياة…إن كثيرا من المراهقين والمراهقات قد يئسوا من تواصل أسرهم معهم، وبحثوا عمن يشكون إليه همومهم، ومن يثري عواطفهم ومشاعرهم، وقد وجدوا ذلك على شبكة الأنترنيت، ولا يخفى على أحد اليوم أن لدينا عشرات الألوف من الفتيات اللواتي تورطن مع شباب في علاقات مشبوهة،… وكل ذلك بسبب الفراغ العاطفي، وغياب الأهل الذين يرشدون ويساعدون ويُسعِدون”7، ولعل التركيز في أكثر الأمثلة على العلاقات داخل الأسرة، راجع إلى أهمية هذا المحضن باعتباره أساسا لغيره من المحاضن الأخرى، فالأسرة نواة المجتمع بصلاحها يصلح وبفسادها يفسد.

5) غياب الوعي الرشيد بمقاصد التجمعات البشرية والعلاقات الإنسانية، وفوائدها وثمرة الإحسان فيها طلبا للأجر والثواب… وتغليب المعايير المرتبطة بالأعراف والتقاليد ـ المخالفة لمعايير الشرع ـ في تقييم الأمور والحكم عليها.

6) غياب التحلي بالأخلاق الاجتماعية الداعية إلى توحيد الصفوف ورصها وتقويتها وجمع الشمل، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، كالدعوة إلى صلة الأرحام، والترغيب في العفو عن الناس، والصبر على أذاهم، والتسامح معهم، والتماس الأعذار لهم، وإسداء النصح، وبذل النفع وقضاء الحوائج.

    كانت هذه بعضا من العوامل التي تتسبب في ظهور الفتور في حياتنا، بصورة لا تليق بما يجب أن يكون عليه وضع العلاقات الإنسانية في المجتمع المسلم.

    فما هي إذن سبل تنمية هذه العلاقات وتمتين أواصرها من جديد؟

مقترحات لعلاج ظاهرة الفتور في العلاقات الإنسانية:

image3-2    إن ما ذكرناه سابقا من الأسباب ـ وغيرها ـ كفيل بأن يصيب أحاسيسنا ومشاعرنا بنوع من الصدإ العاطفي الذي يحيل حياتنا إلى صحراء قاحلة تغيب فيها معالم الحياة الإنسانية فتصاب شرايين النفس بالتصلب والاختناق، وهذا بلا شك من أخطر الأمراض الاجتماعية التي طرأت على حياتنا فسلبتنا معناها الجميل، وهل في الوجود البشري أجمل من هذه المعاني الإنسانية الراقية التي تختزنها هذه العلاقات، لكن هذا العطب الطارئ سببه الرئيس ضعف الصلة بالله تعالى، هذه الصلة العمودية مع الله رب العالمين هي الممدة لكل العلاقات الإنسانية الأخرى بأسباب الحياة والبقاء والاستمرار، ولهذا كانت العناية بها من أولى الأولويات التي تجلو صدأ الفتور وتطهر القلوب من أدرانها وأوساخها وأحقادها لتؤدي فريضة التواصل والتراحم والمحبة بإحسان كامل من منطق العبودية الخالصة لله تعالى، فحاجات الإنسان إلى التواصل مع بني جنسه حاجات فطرية، ولهذا فإن عزلته عن الآخرين ستبقيه على الدوام حزينا غير مرتاح.

    وإن من دواعي هذا التواصل فيما بين الناس:

أ- طبيعة الإنسان الاستخلافية: فقد استخلفه الله في الأرض ليعمرها بالخير ويصلحها، ووهبه كل الوسائل التي تعينه على تحقيق مهمته، فكان ملزما بهذا الاعتبار أن يتواصل مع كل الناس بغاية الإحسان أداءً للأمانة.

ب- حاجات الإنسان الاجتماعية: إذ ينبع سلوكه التواصلي أيضا من حاجاته الاجتماعية منذ ولادته إلى حين مغادرته لهذه الدنيا، فلا مناص من التواصل مع الآخرين، لتلبية هذه الاحتياجات البيولوجية والنفسية، وإلا ظل فاقدا لتوازنه النفسي والاجتماعي.

وانطلاقا من كل ما سبق، كان السعي وراء بناء العلاقات الاجتماعية والإنسانية، أو إصلاح أعطابها وتمتين عراها من أوجب الواجبات على الفرد والمجتمع، أملاً في تحقيق مفهوم الأمة الواحدة الراشدة، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، والمؤمنة بالله تعالى، السالكة درب الفلاح.

    ونسوق هنا بعض المقترحات التي تساهم في تنمية العلاقات الإنسانية وتقويتها:

1) ضرورة تكاثف جهود المؤسسات التربوية على اختلافها، لغرس قيم الجماعية والتأليف بين القلوب وإحيائها بالمشاعر الدافئة الصادقة، والأخلاق الإسلامية الراقية، وبناء هذه العلاقات على أساس المحبة الخالصة التي تزيد آصرة الأخوة الإنسانية تماسكا، فالمسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والمسجد والمؤسسات الإعلامية المختلفة وجمعيات المجتمع المدني…، وذلك من خلال المضامين التربوية التي تقدمها هذه المؤسسات، بل إن العمل على تنسيق الجهود بين هذه المؤسسات لتحقيق هذا المقصد يعد من القربات العظيمة والأعمال الجليلة.

2) العمل على التقليص من حيز الوقت المخصص لوسائل الاتصال المختلفة التي تسرق منا أثمن اللحظات، وجعل وقتها لصالح التواصل الأسري والعائلي إسهاما في رأب الصدع الغائر في علاقاتنا، فلا بد أن تخصص أوقات متقاربة لاجتماع أفراد الأسرة، والحرص على تناول وجبات الطعام جماعة لما لذلك من مقاصد تربوية تساهم في تمتين الصلات النفسية بين أفراد الأسرة الصغيرة، وكذلك تخصيص يوم الجمعة على الأقل كيوم لصلة الرحم بين الأبناء والوالدين والإخوة والأحفاد [الأسرة الممتدة]يكون فرصة للتزود من مائدة الحب والمشاعر الدافئة ويقوي نسيجها.

    وقد تواردت النصوص في القرآن والسنة الحاثة على صلة الرحم والمشجعة على تقويتها وتعميقها بكل وسيلة، كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الوقت من قطيعة الرحم، فعن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً قال:”يارسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلمُ عنهم ويجهلون علي”فقال: صلى الله عليه وسلم: (لئن كنت كما قلت فكأنما تُسفّهم الملّ8، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ9 عليهم ما دمت على ذلك)10. ففي هذا الموقف النبويّ يشير عليه الصلاة والسلام إلى أهمّية صلة الرحم ومكانتها العالية بين مكارم الأخلاق، ولأجل هذا الفضل العظيم أرشد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الرجل إلى احتمال الأذى في سبيل تحقيق هذه الصلة، والله تعالى يقول: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)11، وحذر من ضدّها فقال سبحانه: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم  12(وقوله عز وجل: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار 13(.

    كما يحفزك على المبادرة إلى صلة الرحم، ونبذ كل أشكال الفتور في العلاقات الاجتماعية، إدراكك للأجر العظيم، الذي أعده الله للواصلِ رحمَه، فصلة الرحم سببٌ في طول العمر ومباركة الرزق، وأنّ الله تعالى قد تكفّل للرحم بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك)14، وقال عليه الصلاة والسلام: (من سرّه أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره15 فليصل رحمه)16، وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في هذا الباب. والمتأمل في المناسبات الدينية كشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، يمكنه أن يتصور آثار هذا التكافل والتلاحم والتآخي بين الناس، ومقدار السرور والفرح الذي يجلبه للمسلم في مثل هذه المناسبات.

3) الحرص والاجتهاد في اكتشاف كل الوسائل الفعالة، التي تساهم في زيادة منسوب المحبة بين أطراف العلاقة كتبادل الزيارات، والسؤال عن الأحوال، وإسداء الخدمات وكل أشكال التكافل الاجتماعي وبخاصة في حال الأزمات ماديا ومعنويا، والمشاركة في مناسبات الفرح والحزن على حد سواء، كما لا ننسى تبادل الهدايا، لما لها من تأثير بالغ على النفوس، حيث تساهم بفعالية في تجديد النشاط والحيوية، سواء بين الزوجين أو مع الأبناء، أو خارج دائرة الأسرة إلى العائلة والجيران، وسائر العلاقات داخل المجتمع، ففي إسعاد الآخرين سعادة لنا، ولهذا ندبنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال:(تهادوا تحابوا)17، وقد قبِلها عليه الصلاة والسلام، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه قال كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة )18 .

    فالهدية مبعث أُنْس، تـُقرِّب البعيد، وتصل المقطوع، وتفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبة بين الناس وتنميها، لأن النفس مجبولة على حب من أحسن إليها.

4) مساهمة الجهات المسؤولة، ومؤسسات المجتمع المدني، في تمتين أواصر المجتمع، عن طريق إنشاء فضاءات مناسبة ومجهزة بما يتلاءم واحتياجات الأسر، تساهم في إتاحة فرص التواصل بين الأسر والعائلات إحياءً لصلة الرحم، وتقويةً للروابط، وتنفيساً وتسلية للنفس من الضغوط المتراكمة حتى تستعيد نشاطها وفعاليتها وتوازنها النفسي… وللأسف فإن مثل هذه الفضاءات لازالت غائبة في واقعنا، وحتى إذا وجدت فإنها تكون فقيرة جدا لا تُغري بارتيادها، أو مختلطة لا تحترم خصوصيات التجمعات الأسرية.

5) إشاعة الاخلاق المحمدية العظيمة، فقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم بشهادة القرآن الكريم، ووصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: “كان خلقه القرآن” ولأجل ذلك كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا يزال أسوة لكل الخلق إلى يوم القيامة، قال سبحانه: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا )19، ولذلك كانت مخرجات هذه المدرسة النبوية عظيمة، لم تستطع الضربات القوية زلزلة بنيانها الشامخ، نظرا لقوة البرنامج التربوي الأخلاقي الذي تشربته نفوس طلابها، فلو أخذنا سلوكا أخلاقيا بسيطا من تعاليمه صلى الله عليه وسلم ثم طبقناه في حياتنا اليومية بصدق وإخلاص لكانت الثمرة طيبة، ولوجدنا صدى أثرها الكبير في علاقاتنا الإنسانية المختلفة كسلوك الابتسامة في معاملة الناس، فالابتسامة في الوجوه أسرع طريق إلى القلوب، وأقرب باب إلى النفوس، وقد فطر الله الخَلْقَ على محبة صاحب الوجه المشرق البسَّام، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تبسُّمًا، بل جعل فعل ذلك من الصدقات فقال عليه الصلاة والسلام:) تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة( 20.

    وقال ابن عيينة: “البَشَاشَة مصيدة المودَّة، والبِرُّ شيء هيِّن، وجه طليق، وكلام ليِّن” .  قال الشاعر: أخو البِشْرِ محبوبٌ على حُسْنِ بِشْرِهِ   ***   ولن يعدم البغضاءَ منْ كان عابساً

    فهذه جملة من الوسائل والمقترحات التي نعتقد أن لها دورا مهما في توطيد العلاقات وتقويتها، والقضاء على ظاهرة الفتور في حياتنا، ذلك أننا أمة تكمن قوتها في وحدتها، ولا سبيل إلى هذه الوحدة إلا بالتعاون والتكافل في السراء والضراء، والحرص على إدخال الفرح والسرور على قلوب الناس، والاعتصام بحبل الله تعالى مصدر كل خير ومنبع كل فلاح لقوله تعالى:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا * وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)21

    وإن المتأمل في منهج الوحي يلمح بوضوح العناية الكبيرة بكل ما يوطد العلاقات ويقويها ويشد أزرها ويحييها، تركيزا لمفهوم الأخوة الإسلامية وردا إلى الأصل الواحد ـ آدم عليه السلام ـ، كما أن المطالع لسيرته العطرة يرى كيف أنه ﷺ قد جعل من الأسس الكبرى التي قامت عليها دولته في المدينة، عقد الأخوة بين المؤمنين(بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بقليل، وبين المهاجرين والأنصار بعد هجرته إليها)، ومن أقواله الدالة على حرصه الشديد على بقاء هذه الأخوة واستمرارها قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)22 ليقينه صلى الله عليه وسلم بأن بناء الإنسان على أسس إيمانية أصل أصيل لكل بناء راشد، والحجر الأساس لكل مستقبل واعد.

الهوامش

1 – الحجرات /13
2 – النحل/97
3 – رواه مسلم
4 – الإسراء/23-24
5 – هناك دراسات علمية خلصت إلى أن هناك صلة وثيقة بين مستوى ارتباط الإنسان بمحيطه الاجتماعي، وبين استقامة السلوك ودرجة الفاعلية والإنتاج، فكلما كانت علاقة الإنسان بمجتمعه وثيقة دافئة كان فاعلا ، بينما يساعد الفتور والبرود في العلاقات الاجتماعية على ظهور ونمو السلوكيات المنحرفة الخاطئة .وقد تحدث بعض المفكرين والباحثين الغربيين عن تأثير ضعف العلاقة في مجتمعاتهم بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، في بروز الظواهر السلبية والإجرامية كمرض الاكتئاب، والشعور بالإحباط، وشدة القلق، وسائر الأمراض النفسية، و كذلك ظاهرة الانتحار التي يتسع مداها في المجتمعات الغربية المعاصرة مع كل ما يتوافر للإنسان هناك من وسائل الراحة والرفاه المادي مثل سويسرا والسويد…[ مقال: الانتحار في الغرب.. ظاهرة تستحق التأمل ! ترجمة: يوسف وهباني / ومقال: الوحدة تقتل الإنسان لمنال الليثي…]
6 – التواصل الأسري: كيف نحمي أسرنا من التفكك : د/ عبد الكريم بكار (سلسلة التربية الرشيدة 2) ص 29.
7 – نفسه: ص20
8 – تسفّهم: تطعمهم، المَلّ : الرماد الحار الذى يُحمى ليدفن فيه الطعام فينضج، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحقهم من الأذى بأكل الرماد الحارّ.
9 – الظهير: الناصر والمعين .
10 – رواه مسلم
11 –  النساء/1
12 – محمد/22-23
13 – الرعد/25
14 –  متفق عليه
15 – أي يؤخر له في أجله وعمره
16 – متفق عليه
17 – رواه البخاري
18 – رواه أبو داود
19 – الأحزاب/21
20 – رواه الترمذي
21 – آل عمران :103

22 – أخرجه البخاري

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons