تربيتنا والأدب

رواية خضرا والمجذوب من الاحتفاء بالمكان إلى الاحتفاء بالقيم

moussawi

د. هشام موساوي

    رواية “خضرا والمجذوب” هي الرواية الثانية للأستاذ عبد المالك المومني، بعد روايته الأولى “الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان”، إضافة إلى ذلك فالمبدع له ديوان زجل صدر سنة2011 وسمه بـ “ريحة البلاد خضرا”. وما يجمع بين أعماله الثلاثة كونها تحتفي جميعا بعين الركادة مسقط رأس الكاتب. و”خضرا والمجذوب” رواية صادرة سنة 2015، وهي من الحجم المتوسط، وعدد صفحاتها 208. استهلها الكاتب بإهداء لأفراد أسرته وللعين ” لعيننا، حلمنا الجميل، خضرا الركادة”، لينطلق هذا العمل الروائي بأول فصل عنونه بـ “ماء”، لتتناسل فصول الرواية الموزعة على 25 فصلا، لم يتجاوز بعضها الصفحة، وكأننا إزاء كتابات شذرية.

تعتبر رواية “خضرا والمجذوب” رواية المكان بامتياز، إذ يعد هذا المكون من أبرز العناصر الناسجة لعالم الرواية، ويشكل إطاراً أساسياً تتفاعل معه الشخصيات. والمكان عموماً يتداخل مع باقي المكونات الحكائية كالأحداث والزمن والبنية السردية، لتتولد معه مجموعة من الدلالات الرمزية، والإيحاءات النفسية، لتنقله من مجرد مكان ذي أبعاد هندسية ثلاثية، إلى مكان يسافر في الزمن ليستحضر الذكريات والآهات والآمال عند الشخصيات. لقد استطاع الروائي من خلال اشتغاله على المكان أن يستحضر مجموعة من القيم الإنسانية، كقيمة الحب، وقيمة التضامن، وجعله فضاء لمقاومة قيم الرأسمالية التي تسعى لكسب المال دونما استحضار للقيم السامية.

الرواية واستحضار القيم:

قيم الحب: حب المكان: المجذوب والعين“:

لكل حبيبته، وحبيبة بطلنا “الناعسة” أو “عين للا خضر”، ولهه بها وحبه الشديد لم يسمح له إلا بعنوان فرعي “ماء” افتتح به أولى فصول روايته ليغوص في سماء حبها وفي خضم التغزل بها. فالحب لا يسعف صاحبه، ولسان الحبيب بمن يحب يلهج:

“أميرتي…. ياسيدة الماء!

رياي.. وسناي…يا ناعسة!

” توحشتك”…أقولها بالمغربية…إنها أعمق…وأصدق!

صارف نظري عن كل شاغل، أبغي التملي من عينيك الحولاء من الحور ص: 7

khadraهكذا يستهل “أحمد” بطل روايتنا الحكاية، لتكون قصة حبه للعين هي المفجر الأساسي للمتن، بل والرابط لكل الأحداث المسترجعة من الزمن الماضي أو المتناسلة في زمن الحكي.

لقد بلغ حب العين عند أحمد حد التماهي بها أو لنقل بلغة المتصوفة حد الحلول، حلت روحه روحها وصورتها صورته: “… كتبت حكايتك/حكايتي… وما كتبت… بل كتبت، وحين قرؤوك/ قرؤوني… قالوا غرقت فأغربت… فما أنا بالفتى الذي عرفوا- قالوا- ولا أنت بالعين التي ألفوا ” ص 17. وبذلك أصبح تاريخها تاريخه، وزمنه زمنها، فسكنته” للا خضرا مولاة المكان” وسكنها.

فأصبحت العين بؤرة الحكي في الرواية، لا حديث إلا ويبدأ أو ينتهي عندها، سواء تعلق الأمر بالأحداث المسترجعة من طفولة أحمد وعلاقاته بالمدرسة وأفراد أسرته، وكذا الأحداث التاريخية التي يشتم في طياتها عبق العين الناعسة، أو ما ارتبط بحاضر أحمد وأسرته وأحاديثه على الشبكة العنكبوتية مع النخبة المنتمية للعين. فالناعسة بالنسبة للشخصية الرئيسية في الرواية، ليست مجرد إحداثيات جغرافية، بل كما يقول “الناعسة يا سيدي تاريخ ” ص: 196.

قيم التضامن

من بين القيم الإسلامية التي حث عليها الله سبحانه وتعالى قيمة التضامن والتعاون فيما فيه مصلحة العباد، والسعي إلى فعل الخيرات، يقول عز وجل: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ” سورة : المائدة آية:2 فالتعاون في الخير إحدى الأسس التي يقوم عليها ديننا الحنيف، ويرغب فيها. وتحضر هذه القيمة في الرواية من خلال مواقف مرتبطة بتفاعل الشخصيات مع العين، فالعين الناعسة استطاعت أن تؤلف بين قلوب محبيها، وأن تجعلهم يتضامنون من أجل الحفاظ على معالمها، فأسسوا جمعية قدماء مدرسة الركادة، وقدموا مشروعاً لجعلها تتنفس عبق الماضي “المشروع ليس مشروعي، هو مشروع جمعية تحب الخير للناعسة وأهلها… الصهريج الذي ذكرت في ملكية أولاد عمي سعيد الله يرحمه. سمعت من أمه أنها ستهبه وما حوله وتحته وفوقه صدقة جارية للجمعية. امرأة بسيطة أحسن من بعض الرجال” ص:197-198.

وتحضر، كذلك، هذه القيمة في المكان من خلال استحضار علاقة الشعبين المغربي والجزائري إبان مقاومة المستعمر الفرنسي “الناعسة يا سيدي تاريخ. عين شيد الرومان أو أهلها منصتها الحجرية، والقصبة تاريخ عريق، وكانت شاهدة في العصر الحديث على مساعدة قبائل بني يزناسن للأمير عبد القادر الجزائري، الذي حل بها، ونظم مقاومته للفرنسيين بها ص:196

قيم المواطنة: المكان والانتماء إلى الوطن:

image3-1لقد كان الانتماء إلى المكان بوصفه محدداً للوجود الإنساني ديدن العديد من المبدعين، وشكلت العودة إليه بعد طول غياب بمثابة العودة إلى الذات، وإلى ما يحدد انتماءها إلى مجموعة من القيم. ولقد عرف الأدب العربي، خاصة، من خلال تراثه الشعري، هذا الشوق للمكان حتى كان التغني بالأطلال والبكاء عليها أساساً من أسس الشعر الجاهلي، يقول امرؤ القيس:

عوجا على الطلل المحبل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خذام

ورواية “خضرا والمجذوب” هي أشبه بتلك القصائد التي بكى فيها أصحابها المكان، فأحمد الذي لا يلهج إلا بها، جعل من باقي الأحداث ثانوية الحضور، فما يكاد يتوقف عن ذكرها حتى يعود إليها. ويظهر بكاء الشخصيات على العين الناعسة من خلال مجموعة من الشواهد الزجلية التي تضمنتها الرواية:

“مهموله يا خضره، الساكية مالها مهجوره، محكوره فين الصفصاف وفين اللقلاق، مال ينبوعك شمعته مطفيه، مطلب ليك أمطار هطيله، تفيقك في لحظه تزيان حوازك، في ايام قليله السر يعود وتكون اللمه” ص:31

إن هذا الشوق إلى الناعسة هو الذي دفع “أحمد”، الشخصية الرئيسية في الرواية، إلى العودة إليها، ليلتقي مع ذاته التي تشكلت في الناعسة زمن الطفولة والشباب، تقول ابنته عن ذلك في حوارها مع أختها: “ثم بدأت الحكاية، ثم تستمر ولن تنتهي. يكتبها حاليا بابا ونكتبها أنا وأنت وماما ويونس، ويكتبها أصحابه، وكل من رآها… كل بطريقته. الناعسة يا أختي هي الماضي والحاضر والمستقبل لأبي، هي الوطن، وجوده في هذه الأرض …، تفهمين؟” ص:41

لقد تضمن العمل الروائي مجوعة من الشواهد الشعرية والزجلية التي تتغني وتتغزل بالناعسة أو تتباكى وتتألم عليها حتى لا يكاد فصل من الفصول يخلو من هذه الشواهد، وبلغ عددها في الرواية 29 شاهدا.

إن المكان بالنسبة لأحمد وطن وقيم إنسانية تربى عليها، الناعسة انتماء إلى البساطة والطفولة ولحياة أيسر وأفضل، حياة لا تكتنفها تعقيدات وحسابات التحولات والتقلبات الزمنية، إنها نبع الحياة الذي لا ينضب وإن توارى ماؤها لشهور، لكن انتظاره هو حياة في حد ذاتها. الوطن لا يتخلى عنه وإن نضبت خيراته وإن تكالبت عليه أهوال الزمان والمكان. الوطن وطن كيفما كان.

المكان فضاء لمقاومة قيم الاستبداد:

لقد جعل الروائي من العين الناعسة فضاء لمقاومة وطأة الزمن، والحفاظ على الزمن الجميل. فضاء تتصارع فيه رؤيتان للعالم. الأولى، والتي يمثلها المهندس بنعيسى، ترى في العين مصدراً للاستثمار وجلب الأموال مستحضرة الحاضر وما يمكن أن تجنيه دون استحضار للماضي، لتاريخ العين ودلالاتها الرمزية، وبين رؤية يمثلها “أحمد” وأصدقاؤه وأسرته، والتي تعلي من شأن تاريخها ومعالمها، رؤية ترى رمزية المكان وقيمه، وتأخذ الماضي بعين الاعتبار غير متنكرة لتاريخها.

إن هذا التعارض بين الفريقين، هو في العمق صراع بين أصحاب الأرض والمستعمر الذي ترك أذنابه في كل مكان. صراع أحقية للأرض، يقول أحمد في خضم هذا الصراع لبنعيسى:

“.. ولكن القصبة ملكية عامة اغتصبت من طرف المحتل، وهدمها عمداً. فعل العسكر في كل زمان ومكان. أنت ورثتها من كفيلك مورلو الضابط، “لقيتها موجودة وساهلة ماهلة “! ربما نتفق! لا دخل لك فيما كانت عليه فيلا مورلو وما حولها سابقا، لكن ما بني على باطل فهو باطل. هذا يعني أن تصحح الأوضاع إن أمكن، ولم لا…؟” ص:198

وقد استطاع الروائي أن يمنح هذا الصراع عمقاً أكبر من خلال التعدد اللغوي الذي أثث به عمله، والذي لاح منذ الفصل الأول، فحضور لغة المستعمر ارتبط بحضور شخصية المهندس بنعيسى، الذي يمثل امتداداً لاستغلال المستعمر لشعوب الضعيفة من خلال استغلاله لحاجة الضعفاء والمساكين من أبناء الناعسة. إن المقاومة التي يبديها أحمد هي في الحقيقة مقاومة للقيم التي تحملها العولمة المتوحشة الممثلة ببنعيسى وصديقه المقاول، والتي تسعى لطمس القيم المحلية، الممثلة بأحمد وأصدقائه.

على سبيل الختم

لقد استطاع الروائي عبد المالك المومني، من خلال روايته “خضرا و المجذوب” أن ينفث في أنفسنا كقراء مجموعة من القيم الإسلامية والإنسانية التي نحن في أحوج حال إليها في خضم الصراع الذي نعيشه بين هويتنا المحلية الإسلامية المشبعة بالقيم والأخلاق، وبين انتمائنا إلى عالم متسارع يغير قيمه بشكل دائم يجعلنا في حيرة من أمرنا وحالنا، ويجعل تربيتنا لأبنائنا تحتاج منا إلى وعي أكبر فيما نقدمه لهم من نماذج حياتية حية يحضر فيه الأخلاقي والقيمي أكثر من المادي والنفعي.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons