تربيتنا والتراث

المدارس العتيقة بالمغرب: الحلول والآفاق (6/6)

image

د. جميل حمداوي

    لقد آن الأوان لإصلاح ما يجب إصلاحه من وضعية المدارس العتيقة التي آلت إلى الكساد والركود والجمود، وذلك بالجمع بين المعارف النقلية والعقلية، وممارسة الرياضة البدنية مادام العقل السليم في الجسم السليم كما قال أفلاطون، والانفتاح على المواد العلمية المعاصرة، ودراسة الأدب الإسلامي، والاطلاع على الفنون الجميلة على ضوء الرؤية الإسلامية، والتعمق في المواد الشرعية وتبسيطها للعموم والخواص من خلال رؤية معاصرة نظرية وتطبيقية.

    ويجب أيضا على هذه المدارس الدينية الانفتاح على العالم الرقمي والصناعة الفضائية والتكنولوجيا المتقدمة لمسايرة التقنيات المستحدثة علميا وتقنيا كاستخدام الحواسيب المتطورة وآليات النسخ والتصوير المتقدمة في التقنية من أجل تسهيل مأمورية الطلبة والمدرسين في مجال الكتابة والطبع والإنتاج والتوثيق والتدوين والأرشفة والتدبير والتسيير. وعلى أطر هذه المدارس ومتعلميها دراسة المواد العلمية المتخصصة كالبيولوجيا والرياضيات والكيمياء والفيزياء، والاهتمام بالعلوم الإنسانية المهمة كالجغرافيا والتاريخ والفلسفة والبيداغوجيا والآداب والمواقيت والقانون والعلوم الإدارية والسياسية والفنون الجميلة وعلوم التربية البدنية وإتقان اللغات الأجنبية على الأقل أربع لغات عالمية إلى جانب العربية الفصحى والعامية والأمازيغية المحلية لمعرفة العادات والشرائع والأعراف ومجادلة علماء الغرب ومناظرتهم في الدين والفكر والعقيدة واستيعاب معارفهم وعلومهم، وتكوين فتاوى للجواب عن مجموعة من الظواهر التي تتعلق بالاستنساخ، وبيع الأعضاء، وفقه الأقليات، واستنباط الأحكام الشرعية، والإفتاء في شؤون الأحوال الشخصية والاقتصادية والسياسية والفنية…

    ونأمل أن تبتعد مدارسنا العتيقة عن التلخيص والمنظومات والحواشي والتقييدات، واستبدالها بمدخلات نصية لفهمها وتحليلها ومناقشتها عبر الحوار الهادف وبناء المعرفة التكوينية الاستنباطية والاستنتاجية متدرجين من السهولة إلى الصعوبة حسب قدرات التلاميذ ومستوياتهم العقلية مراعين في ذلك خطوات البيداغوجيا الحديثة ومبادئ السيكولوجيا وتعليمات السوسيولوجيا.

    ومن الأفضل أن يتم بناء الدرس من خلال تقديم مدخلات نصية وتحفيز التلاميذ على القراءة والتلاوة والإقراء قراءة صحيحة نحويا ومعبرة دلاليا، وتتويج القراءة الفردية والجماعية بشرح الكلمات الغامضة وتفكيك العبارات المبهمة، واستخراج الأفكار والأحكام والفوائد وتحليلها في سياقها النصي والذهني، ومناقشتها بالآراء المؤيدة والمخالفة ضمن منهج جدلي يقوم على الأطروحة ونقيضها وتركيب أطروحة جديدة، أو منهج استقرائي ينطلق من الخاص والجزء إلى العام والكل، أو منهج استنباطي يبتدئ من الكل والعام ويتجه نحو الخاص والجزء.

    وتنتهي العملية الديداكتيكية بوضع خلاصات واستنتاجات وقواعد تركيبية يمكن الاشتغال عليها في مرحلة التمرين والتطبيق. ويمكن أن ننتقل مع التلاميذ إلى مرحلة الإنتاج والإبداع. وهنا، يمكن للمدرس أن يشتغل على طريقة الألماني فريدريك هاربارت في بناء الدرس أو اعتمادا على طريقة الأهداف والصنافات السلوكية الأمريكية أو طريقة الكفايات والوضعيات حيث يقطع المدرس درسه إلى وحدات مجزوئية ودروس كفائية يخضعها لمجموعة من القدرات والمهارات والوضعيات الاكتسابية الذاتية التي تتدرج من السهولة إلى الصعوبة.

    وللتوضيح أكثر لابد من اعتماد الخطوات الإجرائية التالية في بناء الدرس وتقديمه:

ـ توفير المدرس الجو النفسي داخل القسم من خلال ترديد البسملة والحمدلة والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومطالبة التلاميذ بتقديم مجموعة من الأدعية والحكم المأثورة، وكل ذلك من أجل تهييئ وخلق فصل دراسي جماعي منسجم نفسيا واجتماعيا وطبقيا عبر توحيد الوزرة أو اللباس الدراسي كما نلاحظ ذلك عند الأزهريين؛

ـ تسطير المدرس مجموعة من الأهداف والكفايات شفويا أو كتابة، فيشرك المتعلم في تحديدها وتجزيئها وتنويعها وتطبيقها خلال مراحل الدرس؛

ـ التقويم القبلي الذي ينصب على مراجعة الدرس أو الدروس السابقة واللجوء إلى استحضار المعرفة الخلفية لدى المتعلمين أو استظهار نص معين مفهوم أو قواعد معينة في مجال اللغة أو الشرعيات؛

ـ قراءة المدرس للنص أو المتن قراءة معبرة واضحة ومشكولة تحترم علامات الترقيم وتراعي نوعية النص الأجناسية؛

ـ قراءة التلاميذ للنص أو المتن قراءة معبرة أو مجودة أو مرتلة أو شاعرية مع تصحيح المدرس لكل الأخطاء التي يقع فيها التلميذ؛

ـ شرح الكلمات الصعبة واستعمال التلاميذ إياها في تراكيب وجمل مفيدة؛

ـ استكشاف النص عبر أسئلة الفهم والمعرفة والتحليل لاستخلاص عناصر الدرس وتصميمه؛

ـ تحديد مضامين النص الرئيسية والثانوية والفرعية؛

ـ التوسع في شرح هذه المضامين بشكل متدرج؛

ـ الاستشهاد بالحجج والأدلة النصية والعقلية والتاريخية والأدبية والواقعية والعلمية؛

ـ شرح المفاهيم المحورية لغة واصطلاحا وسياقا، وتتبع تاريخ المفهوم ودلالاته المفهومية والتصورية؛

ـ بعد عمليتي الشرح والتحليل ينتقل التلميذ إلى تقويم النص مضمونا وشكلا ووظيفة في مجال دراسة النص الأدبي أو قراءة النص المفسرة؛

ـ دراسة المسائل والأحكام في مجال الفقه والشرعيات واللغويات بطريقة ميسرة ومختصرة مع الاستعانة بآراء العلماء من مدارس مختلفة، ولكن دون التطويل في الشرح أو تعقيد المسائل أو الاستطراد الممل والإطناب المجهد في إيراد كل أقوال العلماء من مختلف المذاهب الفقهية أو اللغوية؛ ومن الأفضل أن يلتزم المدرس بالفقه المالكي فحسب؛ لكي لا يوقع المتعلم في المتاهات الاجتهادية التي سيتعلمها التلميذ إبان الجامعة؛

ـ استخراج القواعد والأحكام والعبر التي يتمحور حولها النص المعطى ومحاولة تمثلها واقعيا وميدانيا(فقه الواقع)؛

ـ التطبيق الفردي والجماعي لحل الوضعيات والمسائل والنصوص أثناء التقويم التكويني المرحلي والتقويم النهائي؛

ـ مرحلة الإنتاج والابتكار والإبداع من خلال الإنتاجات الشخصية؛

ـ مراجعة نظرية وتطبيقية ودعم جزئي أو كلي؛

ـ تقويم إجمالي في شكل فروض أو مراقبة مستمرة أو امتحانات تقويمية؛

ـ اللجوء إلى التغذية الراجعة في حالة فشل الدرس وعدم استيعاب المتعلمين لخطواته ومضامينه الهادفة؛

    وعليه، يمكن للمدرس كذلك أن ينطلق في بناء درسه من البيداغوجيا الإبداعية ليدفع تلاميذه إلى الإبداع والابتكار والإنتاج ضمن فريق تربوي أو جماعة علمية مراعيا ديناميكية الجماعات ونظريات فرينيه والتربية الجماعية عند أنطون مكارنكو ذات البعد التربوي الاشتراكي للحد من الأنانية والصراعات الفردية والتناحر الشخصي والقضاء على الحقد والكراهية والتنافس السلبي والتمركز حول الذات والأنا، واستبدال التربية الفردية بالتربية الجماعية لمعالجة الوضعيات وإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل التربوية والديداكتيكية التي يصادفها المتمدرسون في واقعهم التربوي اليومي. ولا يعني هذا أنه ينبغي القضاء على الفرد بصفة نهائية، بل لابد من احترام حريته ومواهبه الشخصية ومبادراته الذاتية، ولكن مع إكسابه الرؤية الجماعية والذوبان في الجماعة لقيادة القسم بطريقة عامة وكلية؛ لأن اليد الواحدة كما هو معروف لدى الخاصة والعامة لا تصفق أبدا.

    ولابد من تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها عبر إقامة عروض وندوات وملتقيات فكرية وتأسيس مجلة داخلية وتعاونيات جماعية في إطار ما يسمى بالبيداغوجيا المؤسساتية يتعاون فيها المدرس مع التلاميذ على تدبير المدرسة وتسييرها وتنشيطها.

    ويستحسن أيضا أن يتسلح المدرس باللسانيات وعلم النفس وعلم الاجتماع، وأن يطلع على النظريات التكوينية لدى جان بياجيه ونوام شومسكي في بناء درسه بطريقة بنيوية تتماثل فيها الذات مع الموضوع توازيا ووظيفيا، وتتكامل فيها الكفاءة مع الإنجاز.

    وإذا أراد المدرسون تطبيق البيداغوجيا الإبداعية فلابد من تمثل الطرائق الفعالة والاعتماد على خطوات أساسية وهي: مرحلة المحاكاة والتقليد، مرحلة التجريب والتطبيق، ومرحلة الإنتاج والإبداع والابتكار.

    ومن حيث التنظيم، فلابد من إخضاع هذه المدارس العتيقة لأسس الإدارة التربوية الحديثة مع الاستعانة بالتقنيات والتجهيزات المعاصرة، وتحفيز المدرسين والطلبة ماديا وماليا ومعنويا، وتقديم المنح للمتفوقين منهم لمتابعة دراساتهم العليا داخل الوطن وخارجه، وفتح جميع المسالك الممكنة بين التعليم العتيق والتعليم العمومي العصري، وإيجاد فرص الشغل المناسبة للمتخرجين من المدارس العتيقة وتنويع الشهادات الدراسية، وتحقيق المساواة في إسناد الوظائف التربوية والمناصب الإدارية ومهام المسؤولية بين طلبة التعليم العمومي وطلبة المدارس العتيقة.

خاتمــــة:

    يتبين لنا من خلال هذا الجرد التاريخي والاستقصاء الموضوعي أن المدارس العتيقة بالمغرب هي مدارس دينية قرآنية أصيلة كانت خاضعة للتحبيس، وتلقي معونات المحسنين ومساعدات السلطة الحاكمة من أجل تسيير شؤونها الإدارية والتربوية لتؤدي وظائفها التربوية التعليمية والدينية والتهذيبية.

    ومن المعروف أن هناك تضاربا تاريخيا لدى الدارسين القدامى والمعاصرين حول مرحلة ظهورها، فهناك من يرى أن هذه المدارس قد ظهرت في القرن الخامس الهجري إبان فترة المرابطين، وهناك من يذهب إلى أن هذه المدارس لم تظهر إلى حيز الوجود إلا في القرن السادس الهجري مع سلاطين الدولة المرينية. بيد أن هناك من يذهب إلى أن ظهورها كان أقدم من ذلك بكثير، وذلك مع الفتوحات الإسلامية التي استهدفت نشر العقيدة الإسلامية واللغة العربية.

    وقد وضحنا كذلك في هذه الدراسة المتواضعة أن المدارس العتيقة قد انتشرت بالمغرب طوال تاريخ الدول الإسلامية المغربية من مرحلة عصر الفتوحات إلى الدولة العلوية مرورا بالدولة المرابطية، والموحدية، والمرينية، والسعدية.

كما حصرنا أدوار هذه المدارس في عدة وظائف نيرة كالوظيفة التربوية التعليمية، والوظيفة الأخلاقية الروحانية، والوظيفة التأطيرية التنموية، والوظيفة الوطنية، والوظيفة القومية، والوظيفة السياسية.

   وتعتمد مناهج هذه المدارس العتيقة على الحفظ والتلقين والاستظهار وشحذ الذاكرة واعتماد المتون والملخصات والهوامش والحواشي واستيعاب المؤلفات وحفظ الكتب، مما سبب هذا الوضع التعليمي في الجمود والركود والاجترار والانغلاق وقتل المبادرات الفردية وكبت المواهب الشخصية والاهتمام بالعلوم النقلية التقليدية على حساب العلوم العقلية الحديثة.

    ولهذه الأسباب وغيرها، يستوجب الظرف الحالي لهذه المدارس العتيقة تنفيذ مجموعة من العمليات الإصلاحية التي ينبغي أن تمس الجانب الإداري والتنظيمي، ومختلف برامج التدريس ومناهجه الديداكتيكية مع تمثل الفلسفات التربوية المعاصرة الفعالة، والانفتاح على مستجدات العصر الرقمي والتقني، وتحفيز الأطر العاملة والمتعلمة على حد سواء من أجل البذل والعطاء والاجتهاد والابتكار والإبداع.

    ولا ننسى أبدا التفكير جديا في مسالك التأهيل والتكوين، والبحث عن طرائق بديلة في التأطير والتعليم، وإيجاد منافذ التخرج الناجعة، ورسم آفاق التشغيل والتخطيط لها بطرائق أكثر عمقا وواقعية على ضوء مقاربات توقعية آنية ومستقبلية وإستراتيجية.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons