تربيتنا الحديثة

أضواء على برامج التربية الإسلامية بالجذع المشترك المهني

image

ذمحمد احساين

باحث في قضايا التربية الإسلامية

السياق:

     يعرف نظامنا التربوي إضافة نوعية في نظام البكالوريا المغربية؛ وذلك بإحداث البكالوريا المهنية بهدف تنويع العرض المدرسي للتكوين المهني، وخلق مسار مهني إلى جانب مسار التعليم العام والتعليم التقني، وتقوية الجسور بين النظامين التربوي والمهني من جهة، وسوق الشغل من جهة أخرى، فضلا عن تقوية فرص الإدماج المهني للشباب في النسيج الاقتصادي. كما تتيح البكالوريا المهنية إمكانية متابعة الدراسة بالتعليم الجامعي….

التربية المهنية وبرنامج التربية الإسلامية بالجذع المشترك:

     يعتبر الجذع المشترك المهني المحطة الأولى في إرساء هذا النمط من التعليم، مما يتطلب تكييف البرنامج الدراسي لهذا الجذع مع خصوصية وأهداف التكوين والتأهيل في هذا المستوى. ولا شك أن الصبغة الأساسية لبرنامج التربية الإسلامية، والقيمة الحقيقية له تكمن فيما يتضمنه من معرفة موجهة، تتغيى التركيز على الجوانب السلوكية، والقيمية، وتحقيق الأهداف الوجدانية، باعتبارها ضوابط موجهة لتصرفات المتعلم وسلوكاته، وأساس كل تغيير، ومدخل لتخليق الحياة العامة انطلاقا من تخليق الحياة المهنية بما تتطلبه من مراعاة فقه المهنة وأخلاقها وضوابطها الشرعية… وتوازن المصالح، وحسن تدبير الشأن الخاص والعام، في إطار من الثبات والملاءمة والواقعية والشمولية والفاعلية والمسؤولية… وهي جملة خصائص ومظاهر القيم في مفهوم الفكر الإسلامي التي تقدس العمل وتحث على تعلم الصناعة والانفتاح على عالم الحرف والمهن… ذلك أن إحداث البكالوريا المهنية تأكيد على مبدأ التعليم للعمل، وهو مبدا نستمده من أصول الإسلام في تقدير العمل، والحض على إتقانه، والدعوة للسعي في طلب الرزق، وإعمار الأرض والتعاون والتكافل من أجل ذلك.

     وإن مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل من أهم ما تركز عليه السياسات التعليمية المعاصرة. وهذه المواءمة غدت الشغل الشاغل للمخططين التربويين وصناع القرار في كثير من الدول، ويأتي ذلك انطلاقًا من أن هذه المواءمة تعني في النهاية نجاح التعليم في تحقيق أهدافه على مستوى المردودية الخارجية للنظام التعليمي.

    ولا شك أن برنامجا يمثل هذه المضامين، وما تحمله من قيم، إذا تكاملت مع مضامين المواد الأخرى سيحقق الأهداف المتوخاة من التربية على القيم، وسيعمل على تحصين ناشئتنا المقبلة على عالم المهن من الذوبان في فكر وقيم الآخر، وسيساعده على الحفاظ على ذاته وهويته وحسن تفاعله مع المنتوج الحضاري العالمي.

الأهداف والمهارات المتوخاة من برنامج التربية الإسلامية بالجذع المشترك المهني:

    وعليه يعمل برنامج التربية الإسلامية بالجذع المشترك المهني على تحقيق الأهداف الآتية:

– تعميق المفاهيم الإسلامية النظرية والتطبيقية لدى المتعلم من خلال الوحدتين المقررتين

– تقوية تقنيات الملاحظة والتحليل والمقارنة وإبداء الرأي لديه، والقبول بمبدأ الاختلاف.

– إقداره على تصريف القيم الإسلامية إلى سلوك ومواقف ترتبط بالواقع المهني المعيش.

– تطوير قدرته على التعلم الذاتي، والتعامل الإيجابي مع المحيط، من خلال إنجاز مجموعة من الأنشطة والتطبيقات المتصلة بالوحدتين المقررتين.

كما أنه يروم تنمية مجموعة من المهارات، منها:

– اكساب المتعلم مهارات تطبيقية تساعده في طَرْق مجالات العمل وفقًا لميوله واتجاهاته المستقبلية مثل: الموضوعية، الدقة، الابتكار، التصميم، التنفيذ، روح الإبداع، العمل الجماعي،..الخ.

– تكوين اتجاهات سلوكية إيجابية لديه نحو العمل والحرف اليدويين ومختلف المهن.

– تنمية خصائصه الشخصية مثل: الاتصال، والتعاون مع الآخرين….

– تنمية شعوره بالمسؤولية الأخلاقية في الممارسة المهنية،

– تعرفه مفهوم أخلاق المهنة وضوابطها الشرعية وأهميتهما ومكانتهما فى الإسلام وأثرهما على الفرد والمجتمع.

– تدريبه على تحليل الصفات السيئة والأخلاق غير المحمودة التي يجب عليه تجنبها فى عمله.

– مساعدته على تمثل حقوقه المهنية وواجباته نحو العمل والعملاء والزملاء والرؤساء.

– تزويده بمهارات وقيم العمل الأساسية التي تخلق اتجاهات جديدة في تقدير العمل للتعامل مع سوق العمل بإيجابية.

– تزويده بمهارات تساعده في اختيار المهن والوظائف المناسبة لحاجاته وقدراته والاستقرار فيها.

– تزويده بمهارات تساعده على: التطوير الذاتي وتقدير المهنة وأخلاقياتها والتعامل مع الغير بإيجابية.

– اكسابه مهارات تطبيقية تساعده في طَرْق مجالات العمل وفقًا لميوله واتجاهاته

برنامج الجذع المشترك المهني:

    نظرا لكون الجذع المشترك المهني محطة تأهيلية للبكالوريا المهنية وتهدف إلى تعميق التكوينات الأساسية المشتركة بين التلاميذ من جهة، واستحضارا لخصوصية البكالوريا المهنية من جهة أخرى.

    ونظرا للدور الأساس الذي تضطلع به التربية الاعتقادية والتعبدية في ترسيخ قيم العقيدة الإسلامية المنصوص عليها في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ومساعدة المتعلم في هذا المستوى على تمثل معاني الإسلام باعتباره عقيدة وشريعة وسلوكا بكل ما يشمله من خصائص التوازن والوسطية والاعتدال واليسر ورفع الحرج والانفتاح…

    واعتبارا لمبدأ الجسور المفتوحة بين الجذع المهني وبقية شعب ومسالك البكالوريا، لتمكين متعلميه من حقه في الاختيار ومراجعة توجيهه.

    فقد تم الإبقاء على نفس الوحدتين المقررتين لجميع الجذوع المشتركة وهما: وحدة التربية الاعتقادية ووحدة التربية التعبدية، مع تعديل وتكييف مضامينها مع خصوصية الجذع المشترك المهني.

توصيف وحدتي برنامج الجذع المشترك المهني:

الوحدة الأولى: وحدة التربية الاعتقادية

    وهي وحدة ديداكتيكية تسعى إلى ترسيخ العقيدة الإسلامية لدى المتعلم من خلال جملة من الدروس المرتبطة بخصائص الرسالة المحمدية وأثرها على سلوك المتعلم، وقدرتها على خلق اتجاهات إيجابية تجاه عالم الإنسان والحيوان والأشياء، وبالتالي ربط البعد العقدي بالبعد القيمي كمدخل لتربية مهنية سليمة، ذلك أن القيم تعبر عن المعتقدات الأساسية للفرد، وهي التي تحدد له ما يجب أن يفعله أولا يفعله، وما هو صحيح أو خطأ أو حق و باطل فهي توجه أخلاقنا وسلوكنا في التعامل مع الأشياء أو مع الآخرين من حولنا. وإن لمظاهر السلوك الإنساني الذي يسلكه الفرد وهو يؤدي مهنته التي يزاولها علاقة وطيدة بين قيمه التي يعتنقها من جهة وبين قيم المؤسسة التي يعمل فيها ويطبق فلسفتها وتوجهها من جهة أخرى، وبين قيم المجتمع الذي يعيش فيه كل من الفرد والمؤسسة من جهة ثالثة. ولعل أهم مفاهيم الأخلاق هو التوافق التام بين عقيدة المرء وقوله وفعله، وأن العقيدة هي الأساس الذي يستند إليه المرء في قوله وعمله، فإذا سلمت من الناحية الأخلاقية سلمت الأقوال والأفعال، وهنا ضرورة الانسجام بين العقيدة والسلوك.

الوحدة الثانية: وحدة التربية التعبدية

    وهي وحدة ديداكتيكية قائمة على دروس مرتبطة ببعض الشعائر التعبدية بالتركيز على أبعادها التربوية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والأخلاقية … باعتبار شمولية العبادة في الإسلام إذ الإنسان مخلوق عابد لله تعالى في كل أحواله وتصرفاته ومعاملاته وممارساته الوظيفية والحرفية والمهنية… وباعتبار العبادة هي الغاية الأسمى من الخلق مصداقا لقوله تعالى: “وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون” فإن كانت دروس الصلاة والزكاة والصيام والحج شعائر تعبدية فإنها لا يمكن أن تؤدي وظيفتها في غياب تجلياتها على مستوى الأخلاق والسلوك.

    وباعتبار العبادة قيمة، فهي في ديننا أن كل شيء عبادة، فالصلاة عبادة، والصيام عبادة، ولكن أيضا إنتاج نظرية في الفيزياء عبادة، وإنتاج سلعة بدون غش عبادة، وإكرام الضيف عبادة، العمل عبادة….، بمعنى أن القيمة نفسها تقوم بالعمران، وتصبح حافزا ومولدا للعمران عند الأفراد والجماعات

    ومن هنا فالوحدة لها بعدها القيمي السلوكي الذي له أثره في تخليق الحياة العامة. وإذا كان العمل في المنظور الاقتصادي مجهودًا يبذله الإنسان لتحصيل منفعة، فإن هذا المجهود يجب أن يكون مجهودًا منظمًا، يخدم حاجاته الفردية والاجتماعية في إطار أهداف المجتمع وقيمه. ومن هنا كان العمل في المنظور الإسلامي عبادة لله لابد أن يقصد بها وجه الله عز وجل، قال تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

الهوامش

(جزء من المنتوج الذي قدمه الباحث لمديرية المناهج في إطار تكييف البرامج والتوجيهات التربوية مع خصوصية الجذع المشترك المهني)

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons