الافتتاحية

ذ. عبد السلام الأحمر

الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الخلق ورسول الحق إلى العالمين بالحق المبين، وعلى آله وصحابته أئمة الهدى إلى يوم الدين.

أثير في الآونة الأخيرة وما يزال نقاش قديم حديث، حول المساواة بين الجنسين، والذي استهدف النيل من أحكام الشريعة وعلى رأسها الإرث، الذي أجمع علماء الأمة سلفا وخلفا على ثباتها، وغير قابليتها للاجتهاد تبعا لمتغيرات العصر، كما هو حاصل اليوم نتيجة تأثير هيمنة مبدأ المساواة في منظور الثقافة الحداثية، حيث يراد للدين الإسلامي أن يتخلى عن مبادئه ومعاييره ومقاصده العامة ليساير التوجهات المادية والحقوقية المعاصرة.

ويوجد ضمن هذا العدد السابع من تربيتنا الرقمية مقال الأستاذة صفية آيت سي همو مقاصد الشريعة في المفاضلة بين الذكر والأنثى في الميراثالذي بينت فيه مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء في أحكام الميراث، وعدل الله في توزيع التركة بين الورثة ذكورا وإناثا، إسهاما في تحصين الناشئة ضد الشبهات المثارة في مسائل الإرث.

وإتماما للفائدة أتطرق لمقاربة إشكالية المساواة بين الجنسين في إطار شامل وفق منظور الشرع الحكيم، مبرزا متى تصح هذه المساواة ومتى لا تصح حسب فهمي الشخصي الذي أحسبه موافقا للحق بعيدا عن الهوى الذي طالما غلب على الفكر في تناول هذا الموضوع.

أولا: متى تصح المساواة بين الجنسين

تعتبر قضية المساواة بين الجنسين الآدميين، مجالا شائكا لاختلاف الناس حولها في الرأي والتصور، فإذا نظر إليها من زاوية الآدمية، تبين اتفاقهما في الملامح الأساسية لهذه الصفة المشتركة، لكن من ينطلق منها ليسوي بينهما في كل شيء يجانب الصواب ويقع في الشطط، إذ ثمة قواسم موحدة وصفات مفرقة، كلما تجاهلها الاعتبار نزعت بالفكر إلى الحيف والظلم، واحتاج إلى قدر كبير من الاتزان والتوازن.

فالمساواة بين الرجل والمرأة، لا يصح أبدا أن تكون نتاج رغبة إنسانية، أو قرار هيئة عالمية، أو هوى عنصري، وإنما هي في أحد وجوهها وضع وجودي، راجع إلى إرادة الخالق سبحانه، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، فلا الرجل خلق نفسه وفق مشيئته، ولا المرأة فعلت مثل ذلك، حتى يمكن لأي منهما أن ينزل نفسه في مرتبة أعلى أو مساوية أو حتى أقل عن مرتبة الجنس الآخر، مما يلزم أن يدفع كلا منهما إلى البحث عما قصده الخالق منه، إذ أخرجه من العدم وسواه على شاكلة معينة.

ولقد حملت نصوص الوحي كتابا وسنة، إشارات مؤكدة لأوجه المساواة والاختلاف، مما يقتضي اعتبارها جميعا، وعدم الانزلاق إلى انتقاء بعضها وتجاهل ما يعارضها.

فمنها ما أثبت المساواة بين الجنسين في الآدمية، وخصائصها المشتركة بين الرجال والنساء، ففي القرآن الكريم، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}[النساء: 1]، فالمساواة في البدء نتيجة لوحدة الأصل والخلق من نفس واحدة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، والخطاب هنا موجه للرجال والنساء بأن زوج كل واحد منهما يكون من نوعه الآدمي.

وفي السنة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “سئل رسول الله عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللا؟ قال: لا غسل عليه، قالت أم سلمة: يارسول الله، هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم، إن النساء شقائق الرجالi.

وجاء في الشرح: “وقوله النساء شقائق الرجال أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع فكأنهن شققن من الرجال. وفيه من الفقه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير وأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء أيضا إلا في مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيهاii، فأحكام الشرع تكاد تكون واحدة بالنسبة للذكور والإناث إلا في حالات استثنائية قليلة.

وهو ما يعني تساوي المرأة بالرجل في أصل مسؤولية التكليف، لافي تفاصيلها وجزئياتها، فالجنسان متساويان في معظم التكاليف الشرعية، كما أن للرجال مهام تكليفية تخصهم دون النساء، وللنساء مهام تكليفية تخصهم دون الرجال. وهذا النوع من التكاليف يكون مجالا لتكامل الأدوار بين الجنسين في الحياة، بحسب ما خلق الله عليه كل منهما من طاقات وقدرات وميولات فطرية، تجعله أكثر استعدادا للقيام بمهام محددة بتلقائية وعناء أقل.

وكل محاولة لتجاهل الاختلافات النفسية والنوعية بين الجنسين، والعمل كما لو يجوز عدم اعتبارها في بناء قاعدة المساواة بينهما، تفضي إلى اختلال النظرة إلى الجنس الآخر، وإفساد العلاقة بينهما، وضياع المهام التي أناطها الخالق بكل واحد على حدة.

ثانيا: متى لا تصح المساواة بين الذكر والأنثى

إن التصور السليم لعلاقة الرجل بالمرأة، يقضي بإقرار المساواة بينهما في أصل المسؤولية كما سلف، والاعتراف بالاختلاف بينهما في طبيعة ما يتفرع عنها من أعباء وتكاليف راجعة للاستعدادات الممنوحة لكل منهما، فالرجل مطالب على العموم بالعمل خارج البيت، في حين تتركز مسؤوليات المرأة في داخله، لأنها هي من يحمل الجنين في بطنها مدة تسعة أشهر، وبعد الوضع تقوم بإرضاع مولودها ورعايته حولين كاملين، وبعد فطامه تواصل ملازمته بالسهر على تعليمه وتربيته وتنشئته، حتى يصل مرحلة البلوغ، التي يتولى بعدها القيام بشؤونه، وممارسة الاستقلال في تدبير وإدارة أموره الشخصية، فيستحيل على الرجال أن يقوموا بالمهام النسوية الخالصة، من حمل وولادة وإرضاع، ويتعسر عليهم تولي رعاية الوليد الصغير، والاستجابة الكاملة لحاجاته النفسية، وإشباعها بكيفية صحية وفعالة.

كما يتعسر على النساء مزاحمة الرجال في مختلف الأعمال، التي تحتاج قوة عضلية كبيرة، ودرجة أعلى من المعاناة التفكيرية والحفاظ على التماسك النفسي والعاطفي في الظروف الصعبة.

فالمساواة التامة على أساس جميع المسؤوليات الفرعية داخل الجنس الواحد غير موجودة، حيث يقرر الشرع اختلاف فروعها وتنوعها من شخص لآخر، وكذلك في الالتزام بها وأدائها على الوجه المطلوب. ففي القرآن الكريم تقرير لتفاوت الناس في الفضل والجزاء الأخروي تبعا لمستوى أداء ما كلفهم الله به من أوامر ونواهي كما هو مبين في الآيات التالية: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]، {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35، 36].

وسارت السنة في ذات الاتجاه، كما تفيد الأحاديث التالية: قال رسول الله :”لا نعلم شيئاً خير، من مائة مثله إلا الرجلَ المؤْمنَiii أي أو المرأة المؤمنة، وعن سهل، قال: مر رجل على رسول الله ، فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله : «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا»iv.

ومن جهة أخرى فإن الله فضل بعض الأشخاص على بعض في المواهب والملكات والصفات والقدرات، وهذه حقيقة لا يستطيع أحد جحودها، بمعنى أن المساواة في مثل هذه الحالات لا تتحقق إلا بناء على ما يترتب على كل ذلك من مسؤوليات إضافية يرتفع بها قدر المكلف حال الوفاء وينحدر عند سوء الأداء.

ومن ادعى الأفضلية بمزية، ثم تنصل عما تقتضيه من تكاليف ومسؤوليات، يكون قد حكم على نفسه بالانتكاس والانحدار إلى المفضولية، وصار حاله كحال من يدعي الفوز برضى الله، لمجرد انتمائه لطائفة معينة، وإن ضيع أوامر الله ارتكب ما نهى عنه.

ومن هذا القبيل أن الله ذكر في القرآن تفضيل الرجال على النساء استنادا لما ألزمهم به من مسؤوليات إضافية هما القوامة والإنفاق، {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] فهذا النوع من التفضيل تنظيمي إجرائي، غايته تحقيق التعاون والتكامل بين الجنسين، وتوفير الاستقرار الأسري والاجتماعي، تماما كما فضل الله القادة بمزايا ذاتية تمكنهم من قدرات استثنائية يدبرون بها الشأن العام، وهي لا تضمن لهم التفضيل في كل شيء، بل ولا في الحكم حتى يحسنوا توظيف تلك القدرات وفق ما يرضي الله ويسعد الرعية، التي طوقوا بالمسؤولية العظمى تجاهها.

فالتفضيل الممنوح لا تكون له أية قيمة إلا عندما يكون مصدرا لتفضيل مكتسب، بحسن توظيفه في طلب السواء والوفاء والكمال الأخلاقي، فالمجال مثلا مفتوح أمام المرأة لتتفوق على أخيها الرجل، في نيل الفضل والشرف والفلاح دنيا وأخرى، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

إن الاتجاهات الأيديولوجية التي تسعى إلى إنكار الفوارق بين الجنسين والاستهانة بشأنها، تسهم إلى حد كبير في إفساد نظام الخالق، والسعي عبثا في تغيير حقائق الخلق، التي أرساها الله تعالى لصالح الإنسان والحياة المشتركة بين الرجال والنساء، فهي تسعى إلى التسوية بين الذكور والإناث تسوية كاملة لا تعترف بالخصوصيات الجنسية ولا تقيم لها أي وزن، مما تنجم عنه تجاوزات عديدة وأخطاء فادحة، تثقل كاهل الناس بما ليسوا مهيئين للقيام به من مهام، ولا يجدون في تلك التسوية سعادة تذكر، وإنما يلقون بسببها معاناة ومشاكل لا تنتهي.

فحري بكل آدمي ذكر أو أنثى أن ينطلق من القاعدة الأصلية للمساواة الممنوحة خلقة للآدميين كافة ليصنع التفوق السلوكي والأخلاقي المكتسب، فيجتهد أن يكون أفضل الناس، وأنفعهم للناس، وأطوعهم لأمر رب الناس، بدل الطمع في نيل ما لا يستحق باسم المساواة الزائفة، التي تحمل على التواكل والكسل، وتفرق بين الجنسين ولا تؤلف، وتفسد ولا تصلح. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

عبد السلام محمد الأحمر

i سنن الترمذي (1/ 173).

iiانظر معالم السنن (1/ 79)

iii مسند أحمد ت شاكر (5/ 281)

iv صحيح البخاري (7/ 8)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons